كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
لم تعد التحركات السعودية على الساحة اللبنانية مجرد تفاصيل عابرة في دفتر السياسة الإقليمية، بل تحوّلت خلال العام الأخير إلى مشهد ثقيل الدلالات، متشابك الإشارات، ومفتوح على احتمالات كبرى. فالمملكة، التي طالما قُدِّمت بوصفها اللاعب الأكثر حضورًا داخل البيئة السنيّة اللبنانية، تبدو اليوم وكأنها تعيد كتابة دورها من جديد، بقلم مختلف وحبر أكثر برودة، وعناوين أقل وضوحًا.
سياسة وُصفت بأنها “انفتاح على الجميع”، لكنها في العمق انفتاح محكوم بسقوف وشروط واستثناءات. المملكة تمدّ الجسور مع معظم القوى السياسية اللبنانية، باستثناء حزب الله رسميًا، وإن كانت الأحاديث الخجولة والهمسات الدبلوماسية تتحدّث عن تبدّل في الأسلوب لا في الجوهر، وعن قنوات خلفية لا تريد الرياض الاعتراف بها، لكنها لا تسعى إلى إقفالها أيضًا.
من سياسة الرعاية إلى سياسة الإدارة
التحوّل الأخطر لا يكمن فقط في توسيع دائرة الانفتاح، بل في إنهاء مرحلة “الرعاية الحصرية” لقوى بعينها. فالسعودية التي فرضت في مرحلة سابقة فيتو قاسيًا على الرئيس سعد الحريري، ودفعته عمليًا إلى تعليق عمله السياسي ومغادرة البلاد، تكون بذلك قد ساهمت، عن قصد أو عن غير قصد، في إضعاف العمود الفقري للتمثيل السني في لبنان.
في المقابل، جرى في تلك المرحلة رفع سمير جعجع إلى مرتبة “الرجل الأول” للمملكة في لبنان، ومنحه احتضانًا سياسيًا وماليًا ومعنويًا غير مسبوق، وصل حدّ إطلاق يده في مقاربة المكوّن السني، وكأن الرياض أرادت أن تستبدل راعيًا براعي، وحليفًا بحليف، من دون حسابات دقيقة لتداعيات ذلك على التوازنات الداخلية.
اليوم، الصورة مختلفة. المملكة تعود إلى ما يشبه “سياسة الستينات”: لا آلهة في السياسة، ولا زعماء حصريين، ولا شيكات مفتوحة لأحد. إدارة هذا النهج أوكلت إلى يزيد بن فرحان والسفير السعودي في بيروت، مع عنوان واضح: التواصل مع الجميع، وضبط الجميع، وعدم السماح لأي طرف بادّعاء الاحتكار.
إضعاف الجميع… كاستراتيجية
بحسب مصادر سياسية، الهدف غير المعلن لهذا المسار هو إضعاف كل المكونات اللبنانية، لا كغاية بحد ذاتها، بل كوسيلة لإسقاط فكرة “الزعيم القادر على فرض شروطه”. فلا سعد الحريري عاد، ولا جعجع بقي في موقع الامتياز، ولا جبران باسيل أصبح معزولًا كما كان في المرحلة السابقة.
الانفتاح السعودي على باسيل، وما رافقه من برودة واضحة تجاه جعجع، عكس انتقال المملكة من سياسة “الرهان على حصان واحد” إلى سياسة توزيع الرهانات، أو ربما إلى سياسة كسر كل الأحصنة قبل السباق.
حتى داخل الإدارة اللبنانية، يتردد أن السفير السعودي أحصى موظفي تيار المستقبل في مؤسسات الدولة، ويعمل على إخراجهم تدريجيًا من الجسم الإداري، في خطوة يرى فيها مراقبون محاولة لتفكيك آخر ما تبقّى من نفوذ الحريرية السياسية.
قانون الانتخاب… قنبلة موقوتة
القلق الأكبر يتصل بقانون الانتخاب. فالموقف السعودي المتذبذب من موعد الانتخابات ومن فكرة التمديد للمجلس النيابي لعامين يفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة: الدفع باتجاه تغيير جذري في القانون.
يُتداول في الكواليس حديث عن قانون نسبي على أساس لبنان دائرة واحدة، وهو طرح إن تحقق سيقلب موازين التمثيل، وقد يأتي على حساب المكوّن المسيحي أولًا، ويعيد خلط الأوراق على نحو غير مسبوق.
السؤال المحرّم
وسط هذا كله، يطرح بعض المراقبين سؤالًا يعتبره آخرون محرّمًا:
هل تمهّد المملكة، عبر تفكيك التوازنات الداخلية اللبنانية، لمسار إقليمي أكبر، عنوانه التطبيع، وبعده السلام مع العدو؟
لا إجابات حاسمة حتى الآن. ما هو ثابت فقط أن لبنان عاد إلى كونه ورقة على طاولة الكبار، وأن مصيره يُناقش خارج حدوده أكثر مما يُناقش داخلها.
ما يجري ليس حبًا بلبنان ولا كرهًا له. إنه إعادة رسم خرائط نفوذ في لحظة إقليمية دقيقة. والسؤال الحقيقي ليس: ماذا تريد السعودية من لبنان؟
بل: هل يملك لبنان، للمرة الأولى منذ سنوات، القدرة على أن يريد شيئًا من نفسه؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :