من يقف وراء تعيين المشتبه بها غراسيا القزّي؟

من يقف وراء تعيين المشتبه بها غراسيا القزّي؟

تُسلّط قضيّة القزّي الضوء على الطريقة التي يُدار بها قطاع الجمارك، في بلد يعاني انهياراً اقتصادياً على مختلف المستويات. فهذا القطاع، الذي يُعدّ أحد أبرز بؤر الهدر والفساد، حيث تتقاطع شبكات التهريب مع ضعف الرقابة وتسييس التعيينات الإدارية، يشكّل نموذجاً مصغّراً عن أزمة الدولة اللبنانية.

 

Telegram

وضعت قضيّة تعيين غراسيا القزّي مديرة عامّة للجمارك، السلطةَ السياسية في لبنان أمام اختبار فعلي لمصداقيتها في ملفّات المحاسبة والإصلاح، فقد فجّر هذا القرار غضب أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، الذين رأوا فيه استخفافاً بدماء أبنائهم وتكريساً لسياسة الإفلات من العقاب، ولا يقتصر هذا القرار على بُعده الأخلاقي فحسب، بل ينطوي أيضاً على خرق واضح لآليّة التعيينات التي أقرّتها الحكومة وألزمت نفسها بها.

 

وبالتوازي مع الاعتراض الشعبي، تبرز أسئلة قانونية جدّية حول ملفّات فساد وشبهات إثراء غير مشروع، تُحيط بالمسيرة المهنية للمديرة الجديدة، في وقت يرزح فيه قطاع الجمارك تحت وطأة الهدر والتهريب، اللذين يستنزفان خزينة الدولة. 

 

هكذا، يتجاوز هذا التعيين كونه إجراء إدارياً روتينياً، ليعكس صراعاً مريراً بين فكرة “دولة المؤسّسات” وبين “المنظومة” التي ترفض التخلّي عن أدوات نفوذها، في بلد يحتاج إلى كلّ مورد ممكن، لمواجهة تبعات الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة.

 

تحيط بغراسيا القزّي شبهات قانونية ذات طابع وظيفي في ملفّ انفجار مرفأ بيروت، إذ استُدعيت أمام المحقّق العدلي بصفة مدّعى عليها لا كشاهد، على خلفية موقعها السابق في إدارة الجمارك.

 

ولا تتعلّق هذه الشبهات بالفعل الجرمي المباشر، بل بمسؤوليات إدارية محتملة في سلسلة الإهمال، التي سمحت ببقاء شحنة نيترات الأمونيوم في المرفأ.

 

أهالي الضحايا: إلغاء التعيين

 

استفزّ تعيين القزّي أهالي ضحايا انفجار المرفأ، الذين أعربوا عن اعتراضهم عبر وقفات احتجاجية متكرّرة. 

 

يقول وليام نون، شقيق عنصر الدفاع المدني جو نون الذي قضى في الانفجار، في حديث لموقع “درج”: “إن القزّي حضرت أمام المحقّق العدلي في قضيّة انفجار المرفأ، القاضي طارق البيطار، بصفتها متّهمة وليس كشاهد كما تدّعي أمام عدد من الوزراء”، مضيفاً أن “قرينة البراءة تتيح لها البقاء في موقعها الوظيفي السابق، لا ترقيتها”، مؤكّداً “موقفنا واضح: أيّ شخص تحوم حوله شبهة في ملفّ المرفأ، من غير المقبول منحه صكّ براءة، ولو كان معنوياً”.

 

أهالي ضحايا المرفأ مستمرّون في تحرّكهم الاحتجاجي ولقاءاتهم السياسية، وقد زاروا رئيس الحكومة نوّاف سلام وسجّلوا اعتراضهم. 

 

عن هذا اللقاء يقول نون إن الرئيس سلام أبلغهم “أن مرسوم التعيين جرى توقيعه في الجلسة نفسها، وبالتالي باتت القزّي رسمياً في موقعها”، مضيفاً أن “الأهالي طالبوا بـطرح بند إلغاء التعيين”، لافتاً إلى أن “رئيس الحكومة وعد بدراسة هذا الطرح”.

 

 ويشير نون إلى أن الأهالي بصدد “إعداد رأي قانوني يبيّن أنه في حال طلب المحقّق العدلي أيّ معلومات من إدارة الجمارك، فإن وجود القزّي في هذا المنصب قد يشكّل أداة للتأثير سلباً في مسار تلك المعلومات”.

 

لم يقتصر تعيين القزّي على استفزاز أهالي نحو 230 ضحيّة في تفجير مرفأ بيروت، الذين كانوا قد استبشروا خيراً مع اقتراب صدور القرار الاتّهامي للقاضي طارق البيطار، عقب إسقاط دعوى مخاصمة الدولة عنه، بقرار من القاضي حبيب رزق الله في 8 كانون الثاني/ يناير الماضي، بل أثار هذا التعيين استياء أوسع في صفوف كثير من اللبنانيين، ولا سيّما أولئك الذين رأوا في العهد الجديد فرصة لإرساء دولة تحترم القوانين والأنظمة والآليّات التي وضعتها بنفسها، وفي مقدّمتها آليّة التعيينات الإدارية.

 

فبعد نحو شهر على تأليف حكومة الرئيس نوّاف سلام، وتحديداً في آذار/ مارس 2025، أقرّ مجلس الوزراء آليّة جديدة للتعيينات، تقوم على الإعلان عن الوظيفة الشاغرة، وتلقّي السير الذاتية من داخل الملاك الإداري وخارجه، ثم إجراء التقييمات والمقابلات، قبل ترشيح عدد من الأسماء لاختيار الأنسب منها.

 

 

غير أن هذه الآليّة لم تُعتمد في حالة القزّي، بذريعة أن منصب مدير عامّ الجمارك يستند إلى نصّ قانوني صريح، يشترط أن يكون المعيَّن من داخل السلك الجمركي. ووفقاً لمصدر مطّلع، جاء تعيين القزّي بقرار من رئيس الجمهورية عبر وزير المال، بصفته الوزير المختصّ، بعد تنسيق سياسي شمل “القوّات اللبنانية” التي كانت قد طرحت تعيين شربل خليل في المنصب، وانتهى الأمر بتسوية قضت بتعيين القزّي، المحسوبة على بيئة غير بعيدة عن “القوّات”، مقابل تعيين خليل عضواً في المجلس الأعلى للجمارك.

 

 

ملفّ القزّي 

 

ليست فقط قضيّة تفجير مرفأ بيروت، فللقزّي ملفّ قضائي عالق في النيابة العامّة الاستئنافية منذ العام 2019، وبحسب الادّعاء، تبيّن أنه بين العامين 2015 و2016 سُجّل نحو ثلاثين مخالفة بحقّ المخلّص الجمركي أنطوان عاقوري. في تلك الفترة، كانت القزّي تشغل منصب رئيس دائرة المعاينة، وهو موقع يخوّلها قانونياً صلاحية تخفيض الغرامات المفروضة على عاقوري أو إلغائها كلّياً، أي أنها كانت تمارس سلطة رقابية مباشرة عليه.

 

وأظهرت التحقيقات أنها قامت في الفترة نفسها بشراء عقار من عاقوري في منطقة قرنة شهوان، بسعر يقلّ عن قيمته الحقيقية بأكثر من الضعف. فقد اشترت العقار مقابل 158 ألف دولار، في حين قدّر الخبير المكلّف من القضاء قيمته الفعلية بنحو 465 ألف دولار.

 

على إثر ذلك، وسّعت النيابة العامّة الاستئنافية نطاق التحقيق، وطلبت من هيئة التحقيق الخاصّة في مصرف لبنان، المسؤولة عن كشف جرائم تبييض الأموال، التدقيق في ممتلكات القزّي، وتبيّن امتلاكها عقارات وأموالاً لا تتناسب مع مدخولها الوظيفي، ولا يمكن تبريرها وفق المعايير القانونية المعتمدة.

 

ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، إذ سُجّلت مخالفة إضافية بحقّ القزّي، فبعد إحالة ملفّها إلى قاضي التحقيق الأوّل في نيسان/ أبريل 2019، صدر قرار بوقفها عن العمل، لكنّها خالفت هذا القرار القضائي، واستمرّت في ممارسة مهامها من دون محاسبة تُذكر.

 

تُسلّط قضيّة القزّي الضوء على الطريقة التي يُدار بها قطاع الجمارك، في بلد يعاني انهياراً اقتصادياً على مختلف المستويات. فهذا القطاع، الذي يُعدّ أحد أبرز بؤر الهدر والفساد، حيث تتقاطع شبكات التهريب مع ضعف الرقابة وتسييس التعيينات الإدارية، يشكّل نموذجاً مصغّراً عن أزمة الدولة اللبنانية.

 

يوضح الباحث في “المعهد اللبناني لدراسات السوق” خالد أبو شقرا، في حديث لـ”درج”، أن “التهرّب الجمركي يكلّف الخزينة أموالاً طائلة”، ويعطي مثالاً على ذلك بالإشارة إلى أن “الخزينة استوفت في العام 2024 رسوماً جمركية بقيمة 548 مليون دولار، أي ما يشكّل نحو 17 في المئة فقط من إجمالي الواردات المقدّرة في موازنة ذلك العام، بنحو 3.4 مليارات دولار”.

 

ويلفت أبو شقرا إلى أن “مقارنة الرسوم الجمركية المستوفاة مع حجم الواردات تكشف الفجوة الكبيرة الناتجة عن التهريب. فقد بلغ حجم البضائع والسلع المستوردة إلى لبنان نحو 16.9 مليار دولار، ما يعني أن حصيلة الرسوم الجمركية لم تتجاوز 3.3 في المئة من إجمالي قيمة الواردات. ويُعدّ هذا الرقم منخفضاً للغاية، إذ يقلّ عن الحدّ الأدنى للرسوم الجمركية المحدّدة بـ5 في المئة على عدد كبير من السلع، التي قد تصل إلى نحو 30 في المئة على بعض الأصناف، وبمعنى آخر، فإن الرسوم المستوفاة لم تبلغ حتى الحدّ الأدنى المفترض تحصيله قانونياً”.

 

وفي السياق نفسه، يشير أبو شقرا إلى أنه “في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2025، ارتفعت الإيرادات الجمركية إلى 787 مليون دولار، بزيادة نسبتها 101 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2024، إلا أنها بقيت أقلّ بنحو 12 في المئة من الإيرادات المحقّقة قبل الانهيار، التي بلغت 894 مليون دولار”، ويعزو هذه الزيادة إلى “تحسّن نسبي في الجباية من جهة، ونموّ التجارة الخارجية بنحو 14 في المئة من جهة أخرى”.

 

في المحصّلة، لا يمكن فصل تعيين غراسيا القزّي عن السياق الأوسع لإدارة الدولة اللبنانية، حيث تُقدَّم التسويات السياسية على معايير المحاسبة، وتُغلَّب “الاستمرارية” أو “الواقعية” على أيّ مسار إصلاحي جذري.

 

 فحين يُكافأ مسؤول تحيط به شبهات قضائية بمنصب أكثر حساسية، وحين يُدار أحد أخطر أبواب الهدر المالي بعقلية المحاصصة، تصبح العدالة ترفاً مؤجّلاً، والإصلاح شعاراً بلا مضمون.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram