كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر
يثير ما أُبلِغ عنه بشأن قيام إسرائيل برشّ مواد سامة أو مبيدات كيميائية على أراضٍ لبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية الجنوبية، إشكالية قانونية مركّبة تتجاوز البعد العسكري أو الأمني لتطال جوهر قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي البيئي، وتمسّ بصورة مباشرة حقوق الإنسان الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الصحة والحق في بيئة سليمة. فالأراضي الزراعية ليست أهدافًا عسكرية مشروعة، بل تُعد من الأعيان المدنية المحمية، وأي اعتداء عليها يشكّل مساسًا مباشرًا بالمدنيين ومصادر عيشهم.
من منظور القانون الدولي الإنساني، تخضع تصرفات أطراف النزاعات المسلحة للمبادئ الأساسية التي كرّستها اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977. إذ تنص المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول على مبدأ التمييز، الذي يفرض حصر العمليات العسكرية بالأهداف العسكرية دون المدنيين أو الأعيان المدنية. كما تؤكد المادة 52 من البروتوكول ذاته الحماية القانونية للأعيان المدنية، وتشمل الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية التي يعتمد عليها السكان المدنيون في معيشتهم.
ويحظر المادة 35 الفقرة الثالثة من البروتوكول الإضافي الأول استخدام وسائل أو أساليب قتال يُقصد بها، أو يُتوقّع منها، إحداث أضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية. كما تُلزم المادة 55 أطراف النزاع بحماية البيئة الطبيعية لما لها من دور أساسي في بقاء السكان المدنيين وصحتهم. وبناءً عليه، فإن استخدام مواد سامة أو مبيدات تؤدي إلى تلويث التربة أو إتلاف المحاصيل أو الإضرار بالصحة العامة، ولو لم تُصنّف تقنيًا كأسلحة، قد يشكّل انتهاكًا صريحًا لهذه الأحكام.
أما في إطار القانون الدولي البيئي، فإن مبدأ عدم إحداث ضرر جسيم بالبيئة يُعد من المبادئ المستقرة في القانون الدولي العرفي، وقد أكدته محكمة العدل الدولية في اجتهاداتها. ويقضي هذا المبدأ بالتزام الدول بالامتناع عن أي نشاط يؤدي إلى إلحاق ضرر بيئي جسيم داخل إقليم دولة أخرى. كما كرّس كل من إعلان ستوكهولم لعام 1972 وإعلان ريو لعام 1992 واجب حماية البيئة حتى في حالات النزاعات المسلحة، وعدم جواز التذرع بالضرورات العسكرية لتبرير التلوث واسع النطاق أو طويل الأمد.
ولا يمكن فصل هذا السلوك عن القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يستمر تطبيقه أثناء النزاعات المسلحة. إذ تنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، وهو حق يتأثر مباشرة بأي تلوث كيميائي أو بيئي متعمد. كما بات الحق في بيئة سليمة جزءًا من منظومة الحقوق الأساسية المعترف بها دوليًا، بما يفرض على الدول الامتناع عن أي ممارسات من شأنها تعريض المدنيين لمخاطر صحية جسيمة أو دائمة.
وفي حال ثبوت رش مواد سامة أو مبيدات ذات آثار ضارة، فإن ذلك يُعد فعلًا غير مشروع دوليًا يرتّب مسؤولية الدولة الفاعلة، وفقًا لقواعد المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة كما أقرّتها لجنة القانون الدولي. وتترتب على هذه المسؤولية التزامات واضحة، أبرزها وقف الفعل المخالف، وضمان عدم تكراره، وجبر الضرر، سواء عبر التعويض أو إعادة تأهيل الأراضي المتضررة. وقد يرقى هذا الفعل، تبعًا لظروفه ونتائجه، إلى جريمة حرب إذا ثبت أنه استهدف المدنيين أو الأعيان المدنية أو ألحق دمارًا واسعًا وغير متناسب بالبيئة، وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وتجدر الإشارة إلى أن الإطار القضائي الأنسب لمساءلة هذه الأفعال يبقى محكمة العدل الدولية، بوصفها الجهة المختصة بالنظر في مسؤولية الدول عن خرق التزاماتها الدولية، ولا سيما اتفاقيات جنيف وقواعد حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة. أما الإشارة إلى المحكمة الجنائية الدولية، فلا تأتي باعتبارها المسار الأساسي، بل لتأكيد أن الفعل، إن ثبتت عناصره، قد يتجاوز نطاق المسؤولية الدولية للدولة إلى توصيف جنائي فردي، دون أن ينتقص ذلك من أولوية محكمة العدل الدولية كمرجع طبيعي في هذا النوع من النزاعات.
أمام هذا الواقع، تمتلك الدولة اللبنانية مجموعة من الأدوات القانونية والدبلوماسية التي لا يجوز إغفالها. في مقدمتها، التوثيق العلمي الدقيق والمستقل للأضرار البيئية والصحية، عبر جمع العينات وتحليلها وفق المعايير الدولية المعتمدة، بما يضمن حجية الأدلة وعدم التشكيك بها. ويلي ذلك تفعيل القنوات الدبلوماسية، من خلال رفع شكاوى رسمية إلى الأمم المتحدة، وإيداع تقارير موثقة لدى مجلس حقوق الإنسان والهيئات الدولية المعنية بحماية البيئة.
كما يمكن للبنان طلب تحقيقات دولية مستقلة، وحشد دعم دولي وإقليمي يضع مسألة حماية المدنيين والبيئة في صلب أي مقاربة سياسية أو أمنية للنزاع. ويبقى خيار اللجوء إلى القضاء الدولي قائمًا، بوصفه أداة قانونية لترسيخ المسؤولية الدولية، ولو واجه عقبات إجرائية أو سياسية.
في الخلاصة، إن رش المواد السامة أو المبيدات على الأراضي اللبنانية، إن ثبت، لا يمكن اعتباره حادثًا عرضيًا أو مسألة تقنية، بل هو انتهاك لقواعد آمرة في القانون الدولي الإنساني والبيئي، واعتداء على حقوق الإنسان الأساسية. فالأرض، في القانون الدولي المعاصر، لم تعد مجرد ساحة نزاع، بل قيمة محمية، وحمايتها هي حماية للإنسان وكرامته، وللاستقرار البيئي والاجتماعي، ولمستقبل الأجيال القادمة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :