بلقيس شرارة والسياب والعراق: روايات متضاربة… وغرائب بلا سند

بلقيس شرارة والسياب والعراق: روايات متضاربة… وغرائب بلا سند

 

Telegram

عبّر الكثير من المشاهدين عن غضبهم حول ما قالته بلقيس شرارة في مقابلة أجراها معها عبدالله المحيلان، عن الشاعر الكبير بدر شاكر السياب. ولكنهم تجاهلوا لسبب ما أن ما قالته من متناقضات وغرائب كان أكثر من ذلك بكثير. والحق يقال، إن بلقيس شرارة بدت في أتم صحة وحادة الذهن، على الرغم من كبر سنها فهي من مواليد 1933، وأتمنى لها دوام الصحة والعافية. كان إخراج المقابلة ممتازا لاسيما في التصوير والألوان، فقد ظهرت مرتدية ملابس حمراء بدت متناسقة مع الخلفية الرصاصية التي حوت بعض الكتب. ولكن الجانب السلبي كان في عدم دقة ما ذكرته عن العراق وكثرة ما فيه من متناقضات.

كانت لوسامة المحيلان وخلفيته الاقتصادية أهمية خاصة بالنسبة لبلقيس، فقد وصفت السياب بأنه كان قبيح المنظر وذا أذنين كبيرتين وأنه من خلفية فقيرة ما أثر، حسب قولها، عليه، فأصبح ضعيف الشخصية. وكان وصفها هذا غريبا، فالعراقيون لا يصفون الشخصيات الشهيرة في تاريخهم حسب الجمال والخلفية الفقيرة، لأن أهمية الإنسان بالنسبة لهم تكمن في أفعاله تجاه المجتمع. وأين المشكلة في الخلفية الفقيرة، فالفقر ليس عارا في العراق ويحترم العراقيون من برز في مجال ما وتغلب على مصاعب الحياة. ولكن السياب لم يكن قبيح المنظر، بل عادي الشكل. ونسيت بلقيس أن زوجها رفعة الجادرجي ومظفر النواب والجواهري لم يكونوا وسيمين على الإطلاق. ولكن لماذا الجمال بهذه الأهمية بالنسبة لها، حتى إنها وصفت نفسها بالجميلة ذات الخدود الحمر، وإنها عندما كانت في اليمن وزارت منطقة سد مأرب قامت إحدى نساء البدو (سكان المنطقة ليسوا بدوا، بل سكان قرى) بالطلب منها الزواج من ابنها، على الرغم من أن بلقيس كانت في الرابعة والأربعين من عمرها، وهذه الحكاية غير قابلة للتصديق. أما ضعف شخصية بدر شاكر السياب المزعوم، فإن الأحداث التي ذكرتها عنه تثبت العكس تماما، فعندما أحب الشاعرة لميعة عباس عمارة، لم يخش التقرب منها، محتفظا بمشاعره، بل تجرأ وتكلم معها ومن الواضح، حسب ادعاء بلقيس مرة أخرى، أن تبادلاً للمشاعر حدث بينهما. وعندما تطور الأمر إلى الزواج ناقضت بلقيس نفسها، حيث ذكرت أن والدها حاول التوسط بينهما، ولكن لماذا احتاج السياب والدها، إذا كانت له علاقة مباشرة مع لميعة. وحسب بلقيس، أبدى السياب رغبته بذلك، من دون أن يعير أي اهتمام للاختلاف الديني بينهما، بينما رفضت لميعة لهذا السبب، فمن هو ضعيف الشخصية في هذه الحالة؟ وهل من يتمرد على التقاليد الأدبية ويؤسس نوعا جديدا من الشعر ضعيف الشخصية؟ وقد يكون السبب الحقيقي لكرهها السياب، أنه عارض الشيوعيين عندما اكتشف مدى خطأ أفكارهم متحديا الموجة الشيوعية الجارفة وماكنتها الإعلامية، على عكس الذين خشوا الاعتراف بخطئهم واستمروا في ادعاء الشيوعية، من دون الإيمان بها.

 

ولم يحاول السياب الاستفادة ماليا من الحزب بعد انقلاب عبدالكريم قاسم المشؤوم، مثل الكثير من الشيوعيين الذين تحولوا إلى رجال أعمال رأسماليين للغاية. وهذا دليل ساطع على قوة شخصيته وصدقه مع نفسه والآخرين. ومن الجدير بالذكر أن بدر شاكر السياب كان مستقيما، ولم يحاول الاستفادة من الحزب الشيوعي، لإبراز نفسه في مجاله مثل، مظفر النواب ويوسف العاني وعلي الشوك ورفعة الجادرجي نفسه، إذ حولت ماكنة الحزب الشيوعي كل منهم إلى أيقونة ثقافية. وأثارت بلقيس الاستغراب عندما سخرت من السياب لأنه، على حد قولها، كان ينظم شعرا لكل فتاة جميلة يقابلها، بينما لم تسخر من الجواهري عندما قام بالمثل، أي أن هذا العمل يمثل عارا بالنسبة للسياب، بينما لا يمثل ذلك بالنسبة للجواهري. ونسيت أن الكثير من المشاهير قاموا بذلك، ومنهم الموسيقار الألماني بتهوفن، الذي له مواقف مضحكة في هذا المجال، فهو في نهاية المطاف رجل حتى لو كان أعظم موسيقار في التاريخ.

كان ادعاؤها أن الجيش قام بانقلاب الرابع عشر من تموز/يوليو عام 1958.

وليس هذا صحيحا تماما، ففي حالة قيام الجيش بذلك يكون قائد الانقلاب رئيس أركان الجيش الفريق الركن رفيق عارف، مع معاونيه اللواء الركن خليل جميل واللواء الركن مزهر الشاوي. ولكن الانقلاب كان من قبل مجموعة صغيرة من الجيش بقيادة العميد الركن عبدالكريم قاسم، مطيحا بقيادة الجيش. وأقرت بلقيس أن كامل الجادرجي كان متفقا مع الانقلابيين، ولكنها ادعت أن الاتفاق نص على قتل العائلة المالكة وبقاء عبدالكريم قاسم في الحكم لمدة شهرين، ثم إجراء انتخابات. وإذا كان ذلك صحيحا، فهو دليل على غباء وأنانية كامل الجادرجي، بالإضافة إلى نرجسيته، إذ ظن أن عبدالكريم قاسم يقوم بكل هذه المخاطرة والمذبحة ليجلبه إلى الحكم بعد شهرين. ومن الواضح أن كامل الجادرجي، ظن أن كونه شخصية اجتماعية مرموقة ومتعلم وثري سيجعله قادرا على السيطرة على عبدالكريم قاسم. ولم يكن محمد حديد، والد زهاء (وليس زها) حديد، أكثر ذكاء من كامل الجادرجي. ولم يجد كامل الجادرجي قتل العائلة المالكة ونوري السعيد خطيئة، طالما أن النتيجة الوصول إلى الحكم.

 

من الواضح أنها من المعجبين بمظفر النواب، حيث تكلمت عن إلقائه قصيدة عن مروكي، وادعت أن الجميع أعجبوا بها للغاية، إلا انها نسيت أن الشاعرين الكبيرين بدر شاكر السياب وعبدالرزاق عبدالواحد، حضرا تلك المناسبة. وعبّر عبدالرزاق عبدالواحد عن امتعاضه من سوء هذه القصيدة وسخر منها. وحاولت كذلك الانتقاص من المؤرخ عبدالعزيز الدوري، مدعية انه لم يكن اجتماعيا، بينما يقر كل من عرفه بأنه كان على العكس تماما، كما ادعت أن أستاذه كان الكاتب برنارد لويس، على الرغم من خطأ ذلك أيضا، حيث كان الأستاذ المشرف على أطروحته في جامعة لندن فلاديمير مينورسكي. ولكنها وجدت ما قد يكون شيئا جيدا في المؤرخ الشهير، فهو من خريجي بريطانيا، فهذا شيء بالغ الأهمية بالنسبة لها.

تحدثت بلقيس عن بداية تأسيس الدولة العراقية، بطريقة لا علاقة لها بالتاريخ، فمثلا قالت، إن الملك فيصل الأول أتى إلى العراق بعد أن طرده السوريون بينما في الحقيقة أن الفرنسيين كانوا هم من أزاحوه عن منصبه بمعركة شهيرة.

مقارنة بين العراق وبعض البلدان، حيث ذكرت أن لبنان أنظف من العراق وأن شارع الرشيد في بغداد كان قذرا على عكس لبنان، بينما الحقيقة مختلفة حيث لم يكن ذلك الشارع الشهير أقل نظافة من المنطقة التجارية من بيروت إن لم يكن أكثر نظافة. ولم يكن العراق بذلك الفقر، فقد كان معدل النمو الأعلى في الشرق الأوسط منذ اليوم الأول من تأسيس الدولة العراقية.

أما اللبنانيون الذين ذكرتهم، فقد قدموا إلى العراق طلبا للرزق، ما يعني أن مناطقهم كانت أكثر فقرا، كما أنهم لم يكونوا طبقة مثقفة كما ادعت، بل مدرسين عاديين، وكان العراق قد أقام مشروعا ضخما لنشر التعليم المجاني وبسرعة كبيرة، من دون أن يملك العدد الكافي من المدرسين، ولذلك استعان بمدرسين عرب غير عراقيين، وليس هذا عارا أو ضعفا، فالصين والولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى تتنافس في اجتذاب كل من لديه كفاءة مفيدة في العالم. وكان واضحا استخفافها بالطبقة المثقفة العراقية مقارنة بلبنان ومصر، على الرغم من أن عثمان الموصلي ومعروف الرصافي وأنستاس الكرملي ومحمود شكري الآلوسي ومحمد بهجت الأثري وجلال الحنفي، كانوا الأبرز في العالم العربي في مجالاتهم كما كان الطب في العراق أكثر تقدما من ذلك في لبنان ومصر. ولكن الشيء الوحيد الذي تميزت به مصر آنذاك كان الترجمة. وطالما أنها ذكرت فيروز في المقابلة، فمن المفروض أنها تعرف جيدا أن أشهر أغانيها كانت مسروقة من ألحان عثمان الموصلي، وإذا كانت بلقيس لم تعلم ذلك، فهذا جهل. أما إذا قصدت عدم ذكره، فعلينا التساؤل عن السبب.

 

كانت قصة اجتماعات الأدباء في منزل والدها، وأنها غيرت تاريخ الشعر العربي غير صحيحة. وأما قصة انخراطها في العمل السياسي، فغير معقولة حيث ذكرت أنها لم تنظم إلى أي تنظيم شيوعي، إلا أنها حضرت اجتماعا أو اجتماعين وكانت تدعمهم ماليا. وأما حكاية اعتقالها بسبب اشتراكها في مظاهرة واحدة، فتثير دهشة كل من انخرط في العمل السياسي، وتعرض للاعتقال آنذاك لأن هذا السبب لا يكفي ولا يؤدي إلى الاعتقال إلا إذا اعتقل المرء أثناء المظاهرة. أما حكاية لقائها بمدير الأمن العام بهجت العطية، فمستحيلة، إذ لم يقابله أي من المعتقلين، حتى الذين كانوا من أشهر العوائل في العراق، على الرغم من أن العطية كان طيب القلب ومستقيما. وإذا كانت هذه الحكاية صحيحة، فقد كان ملاكا، لاسيما أنها ذكرت أن والدها نشر مقالات ضده، إذ إن المعتقل في البلدان الأخرى يقبع في زنزانة مخيفة مع المجرمين وبقية المعتقلين لأكثر من ليلة، لاسيما أن التهمة كانت الانضمام إلى تنظيم يسعى إلى تدمير الدولة بالعنف وقتل الطبقة الحاكمة برمتها. ومن المضحك أيضا أنها قالت، إن الهاتف السيار آنذاك لم يكن موجودا بعد، حيث إنه في حالة وجود الهاتف السيار، فإن رجال الأمن كانوا سيصادرونه فورا.

كان تعريف تعبير «الطبقة المثقفة» لديها مبهما للغاية، فقد ذكرت مثلا أن الحكم الملكي اضطهد الطبقة المثقفة. ولكن أشهر الشخصيات الثقافية ظهرت في العهد الملكي، فباتت «الطبقة المثقفة» المقصودة من قبلها محيرة. والجواب هو، انها كانت تقصد أعضاء ومؤيدي الحزب الشيوعي، حيث كان الشيوعيون يعدون أي شخص شيوعي مثقفا كبيرا، حتى لو كان أميا، أو قاتلا محترفا. ووصفت كذلك خريجي الجامعات الغربية بالمثقفين واستغربت أن بعضهم كانوا في السجن، وكأن من المفروض أن يعدوا فوق القانون. ويعني هذا أن خريجي الجامعات العراقية لا يستحقون أن يكونوا مثقفين. وزادت الأمر سوءا عندما ادعت أن السجناء العاديين كانوا يخدمون خريجي الجامعات الغربية في السجن. وكان ذلك كلاما خياليا تماما.

 

تكلمت بلقيس بإسهاب عن كيفية دخول زوجها في عالم الهندسة المعمارية (المعمار) حيث ذكرت أن أحد أصدقائه نصحه بإهمال فكرة دراسة الهندسة ودراسة المعمار بدلا من ذلك، وأن هذا الصديق كان أول من ترجم قصص «ألف ليلة وليلة» إلى اللغة العربية، ولكن تلك القصص كتبت أصلا باللغة العربية، فعن ماذا كانت تتكلم بلقيس. وأضافت أن بريطانيا آنذاك كانت تعاني من قوانين تحديد المواد الغذائية، ولذلك كان الحصول على البيض بالغ الصعوبة، وأثار ذلك انزعاج والدة رفعة، فأبنها المدلل يجب أن يتناول البيض يوميا، فقامت والدته بأرسال «طبقة بيض» تحتوي على ثلاثين بيضة كل يوم وجوا من بغداد إلى لندن، كي يكون فطور رفعة كما ينبغي. وادعت بلقيس أن رفعة كان كريما جدا، حيث كان يتبرع بعشرين منها، فيا للتضحية. ولكن المشكلة في هذه الحكاية أن أدخال بيض إلى بريطانيا كان ممنوعا حتى عام 1954. وأما طبقة البيض المزعومة، فلم تكن متاحة للمواطنين، بل كانت تستعمل في مزارع وشركات الدواجن. ولذلك كان عليها إرسالها بالسلة وعلى متن طائرة تتوقف في عدة مطارات قبل وصولها لندن، ومن دون أن تنكسر بيضة واحدة، فعلى ما يبدو أن خدمة البريد آنذاك كانت أفضل مما هي عليه الآن، أو أنها كانت تزعج معارفها المسافرين إلى لندن بمهمة توصيل البيض إلى ابنها. وبهذه الأسباب، فإن القصة بأكملها خيالية، أي أنها لم تحدث. ولكن هناك جانبا آخر لم تذكره بلقيس، ألا وهو كيف دخل رفعة كلية المعمار في بريطانيا أصلا، فقد ذكر الرجل بنفسه أنه لم يرسم شيئا في حياته قبل دراسته ذلك المجال، على الرغم من أن دخول الكلية كان يتوجب عليه الانخراط في دورة خاصة في الرسم والفن بنجاح، بالإضافة إلى إثبات قدرته على الرسم أمام الأستاذ في المقابلة التي تحدد قبوله من قبل الجامعة أم لا. ويذكر المؤرخ مؤيد الونداوي أن كامل الجادرجي، والد رفعة وزعيم الحزب الوطني الديمقراطي، ومن أكبر المعارضين للسياسة البريطانية، قام بالطلب من السفارة البريطانية في بغداد تسهيل قبول ابنه من قبل الجامعة البريطانية، وأن السفارة لبت طلبه لتعطي كامل الجادرجي درسا حول أخلاق البريطانيين، وأنهم يقدمون المساعدة حتى لمن يهاجمهم. ويضيف مؤيد الونداوي أن تقريرا صدر بعد سنة من التحاق رفعة في الدراسة يفيد بأنه لم يكن طالبا جيدا، إلا أنهم مستمرون في متابعته. وهذا ما ذكره مؤيد الونداوي. ويدعم هذا الشكوك حول كفاءة رفعة الجادرجي في مجال المعمار، فأشهر تصميم له نصب «الجندي المجهول» في ساحة الفردوس في بغداد، ولكن هنالك جوانب كثيرة من الشبه بينه وبين نصب ياباني شهير أقدم منه بعدة سنوات. أما البنايات التي صممها، فعادية جدا.

ذكرت بلقيس أن زوجها رفعة الجادرجي حكم بالسجن المؤبد، لأن شركته انسحبت من مشروع بناء جسر بسبب انسحاب شركة أوروبية غربية، مما جعل شركة يوغسلافية، المتقدم الوحيد لمشروع بناء جسر، وأن ذلك سبب استياء الحكومة العراقية من زوجها، حيث جعل الحكومة، حسب ادعاء بلقيس شرارة، خاضعة لشروط الشركة اليوغسلافية. ولكن هذا الادعاء غير منطقي، فانسحاب شركة من مشروع ليس نادرا. وتقوم الحكومة، أو أي صاحب عمل، في هذه الحالة بمصادرة ضمانات الشركة وأحيانا وضعها في القائمة السوداء وحتى مقاضاتها في حالات نادرة. وهذه إجراءات عادية في جميع أنحاء العالم. ومن المستحيل أن تصبح الحكومة العراقية خاضعة لشروط ومطالب الشركة اليوغسلافية، لأن الشركة تكون قد قدمت عرضا حسب شروط المناقصة الحكومية. وإذا كان العرض مخالفا للشروط الحكومية، فيرفض العرض من قبل الحكومة، بالإضافة إلى ذلك، ففي حالة قبول الحكومة بعرض الشركة اليوغسلافية، سيكون هنالك عقد بين الحكومة والشركة يحتوي على شروط يوافق عليها الطرفان. وإذا كانت الحكومة العراقية مستاءة جدا من الموقف، فكان بمقدورها إلغاء المناقصة ثم إعلانها من جديد، وهو إجراء عادي للغاية. ولذلك، فإن الحكم على رفعة الجادرجي على الاغلب لم يكن للسبب الذي ذكرته بلقيس. ولكن على ما يبدو أنها أرادت إخفاء السبب الحقيقي، فما هو يا ترى؟

ونبقى مع حكاية القبض على زوجها، فقد ذكرت أن عشرة في المئة من المهندسين العراقيين، غادروا العراق باتجاه الخليج بسبب اعتقال زوجها، وهذا غير صحيح، إذ كان السبب اقتصاديا بحتا، ولم يكن رفعة الجادرجي بهذه الأهمية، ثم أضافت أن الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر كان يكرهه، من دون ذكر السبب وأنه من سجنه ليطلق صدام حسين سراحه بعد ذلك ناسية أن صدام كان من يدير البلاد وليس أحمد حسن البكر، ومن الواضح أنها محاولة لتعظيم شأن رفعة من قبلها. وذكرت كذلك أن عدنان خيرالله كان يخشى التكلم مع صدام حول زوجها، إلا أنها ذكرت بعد ثوان أنه كان من رتب الموعد لوالدة رفعة مع صدام حسين، أليس هناك تناقض واضح؟ وإذا اشترت تلك الملابس بعد الإفراج عنه، فلا داعي لذلك ولماذا يجب أن تشبه ملابس السجن. ويعطي هذا الانطباع بأن الحكاية مختلقة. ولكنها لم تتوقف هنا، بل ذكرت أن صدام حسين أراد إعادة بناء بغداد، وطلب استدعاء كبار المعماريين، فقيل له إن أحدهم مسجون، أي رفعة الجادرجي، والآخر خارج البلاد، أي محمد مكية، الذي كان في البحرين خوفا من الحكومة العراقية، فأمر صدام حسين بجلبهما. ولكنها لم تذكر كيف أستطاع صدام جلب محمد مكية. ولم يكن هناك مشروع لإعادة بناء بغداد، وهل حصل رفعة على عفو بسبب هذا المشروع؟ أم مقابلة والدته مع صدام حسين؟ هنالك تناقض واضح في الأمر.

 

وأثارت الاستغراب عندما قالت إن زوجها أنتقل من السجن إلى القصر ثم قالت إن زوجها خرج من السجن وسكن في منزله، ثم تفوهت بحكاية شراء ملابس بنية اللون من لندن شبيهة بملابس السجن، فهل كان يسمح للسجناء العراقيين بارتداء ملابس من خارج السجن آنذاك؟ طبعا لا، فلا يوجد عرض للأزياء في السجن. وذكرت كذلك أن زوجها اشترط العمل لدى الحكومة العراقية لسنتين فقط ضاربا بعرض الحائط أنه خرج من سجن مؤبد بعفو خاص، وكان بإمكان صدام حسين أعادته إلى السجن ليقضي الحكم المؤبد. ويدل هذا على أنه تلقى معاملة خاصة ومثيرة للتساؤل من نظام لم يعرف بتساهله. وأضافت أن رئيس جامعة «أم آي تي» كان يجدد بنفسه إقامة رفعة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن من المستحيل أن يكون هذا صحيحا، فلا يقوم بهذا رئيس جامعة أينما كانت. وتستمر المعلومات الغريبة في هذه المقابلة حيث قالت، إن عبد الكريم قاسم كان يسكن في وزارة الدفاع العراقية لأنه كان مستقيما. وهذه المعلومة في الحقيقة لا تصدر ألا من شخص لا يعرف الكثير عن الشؤون السياسية في العراق، لأن سبب سكن عبدالكريم قاسم في مبنى الوزارة كون الأوامر الموجهة إلى جميع قطعات القوات المسلحة العراقية تأتي من وزارة الدفاع، كما أن جميع التقارير العسكرية ترسل إلى الوزارة حيث كان عبدالكريم قاسم يعيش في حالة رعب وارتياب دائمين، جاهلا صعوبة الدفاع عن المبنى في حالة وقوع هجوم عليه.

 

وحاولت بلقيس عدم ربط عبدالكريم قاسم وحلفائه بمذبحتي الموصل وكركوك، حيث ألقت اللوم على الحزب الشيوعي فحسب. وأما حكاية سفرها مع زوجها قبيل افتتاح نصب الحرية، كي يتجنب غضب عبدالكريم قاسم لعدم وجود وجهه في النصب، فقد ناقضت ما قالته قبل ذلك في المقابلة نفسها، ألم تقل إن عبدالكريم قاسم كان قائدا مثاليا، والى متى كانا سيبقيان خارج العراق؟ ثم تذكر بلقيس أن رفعة استقال يوم سقوط نظام عبدالكريم قاسم، إلا انها تتكلم عنه وكأنه بقي موظفا حكوميا في العهد التالي، حيث قالت إنه رفض مطالب الرئيس الراحل عبدالسلام عارف الهوجاء وغير المعقولة، لأن شخصا ما يجب أن يواجه، حسب رأي رفعة، عبدالسلام. ولكن رفعة امتلك الشجاعة مع عبدالسلام عارف بينما افتقدها مع عبدالكريم قاسم، ما يدل على أن أخلاق عبدالسلام كانت أفضل من أخلاق سلفه وألا لعاقبه بسهولة.

ذكرت بلقيس أن العراقيين شعب دموي، وكان هذا قولا خاطئا وساذجا، لأنهم ليسوا كذلك، وتناست أن لبنان له تاريخ عريق في الاضطرابات الداخلية العنيفة، وشهد حربا أهلية طاحنة دامت خمسة عشر عاما. ولم يشهد العراق شيئا من هذا النوع. ولكن هدف بلقيس شرارة كان التنكيل بالعراق، بل إنها عللت الطبيعة الدموية المزعومة لدى العراقيين، كون الآشوريين القدماء دمويين، وكأن العراقيين يحملون جينات تجعلهم متوحشين. ولم يكن الآشوريون أكثر دموية من غيرهم. والمضحك في الأمر أنها ما إن قالت ذلك حتى ظهرت على الشاشة كلمة «العاشوريين» مما يدل على جهل وعدم اهتمام القائمين على المقابلة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram