نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعدته هبة صالح من القاهرة، قالت فيه إن جاريد كوشنر كشف الأسبوع الماضي في دافوس، عن صور مولدة بالكمبيوتر لغزة مليئة بناطحات سحاب أنيقة تطل على مياه البحر الأبيض المتوسط المتلألئة، مقدما خطة لتحويل القطاع المدمر إلى وجهة سياحية رائجة.
وقال كوشنر، صهر دونالد ترامب وأحد كبار مستشاري الرئيس الأمريكي لشؤون الأراضي الفلسطينية: “يمكن أن تصبح غزة وجهة سياحية، وأن تضم العديد من الصناعات، وتكون مكانا يزدهر فيه سكانها”.
وكان كوشنر مقتنعا تماما برؤية “غزة الجديدة” هذه، لدرجة أنه أخبر القادة السياسيين ورجال الأعمال في دافوس أنه لن يكون هناك “خطة بديلة” بل “نجاح كارثي” فقط.
وتعلق الصحيفة أن كلمة “كارثي” هي الأنسب لوصف الوضع الراهن في غزة: أرض قاحلة مدمرة، حيث تواصل إسرائيل تقييد وصول السلع الأساسية ويموت الأطفال الرضع من البرد القارس وتطلق القوات الإسرائيلية النار على السكان بشكل شبه يومي.
وتضيف أن وقف إطلاق النار الهش الذي توسط فيه ترامب، والذي استمر ثلاثة أشهر، شهد مرحلة هامة هذا الأسبوع بعد أن استعادت إسرائيل رفات آخر أسير كانت تحتجزه حماس، مما أدى إلى بدء ما يسمى “المرحلة الثانية” من الاتفاق.
ومع ذلك، فإن الدمار على الأرض يبرز العقبات الهائلة التي تنتظرنا، ليس فقط في تنفيذ رؤية كوشنر الخيالية، بل في جعل القطاع صالحا للعيش مرة أخرى لسكانه الفلسطينيين البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة.
وتضيف الصحيفة أن جهود نزع سلاح المنطقة محفوفة بالتعقيدات، حيث ترفض حماس نزع سلاحها، ويتردد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سحب قواته التي تحتل حاليا أكثر من نصف مساحة القطاع. ولم ترسل أي دولة حتى الآن قوات إلى قوة الاستقرار الدولية المُخصصة لفرض عملية الانتقال.
فيما أعلنت هيئة من التكنوقراط الفلسطينيين، خلال الأيام الماضية، عن توليها إدارة شؤون القطاع اليومية بدلا من حماس. إلا أن إسرائيل ستظل تسيطر على الحدود وحركة المرور. ومن المتوقع أن تفتح معبر رفح مع مصر خلال الأيام القادمة، ولكن للأفراد فقط دون البضائع.
وقالت وزارة الصحة في غزة بأن الغارات الإسرائيلية أسفرت عن مقتل أكثر من 480 فلسطينيا منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر.
وقال جيمس إلدر، المتحدث باسم اليونيسف: “لا تزال الحياة في غزة خانقة والبقاء على قيد الحياة لا يزال مشروطا ما يسميه العالم اليوم ‘هدوءا’ يعد أزمة في أي مكان آخر”.
ولا يزال معظم السكان يعيشون في خيام أو في منازلهم المدمرة المعرضة لشتاء قارس بشكل استثنائي. وقد ضربتهم أمطار غزيرة وانخفاض حاد في درجات الحرارة، ما أدى إلى وفاة ما لا يقل عن 10 أطفال منذ كانون الأول/ ديسمبر، وفقا لوزارة الصحة.
ويعترف مسؤولون في المجال الإنساني بوجود بعض التحسن منذ وقف إطلاق النار. فقد تمّ تجنب المجاعة بفضل تحسين فرص الوصول إلى الغذاء، وقامت منظمات الإغاثة بتوزيع ملابس دافئة، وتقديم بعض خدمات الرعاية الصحية الأساسية، وإجراء إصلاحات في مرافق الصرف الصحي.
لكن عمال الإغاثة يتهمون إسرائيل بمواصلة عرقلة وصول الإمدادات الطبية الحيوية، ومعدات البناء، ومواد الإيواء، بحجة إمكانية استخدامها لأغراض عسكرية. وأوضحوا أن مجموعة واسعة من المواد التي تصنف على أنها “ذات استخدام مزدوج” والتي ترفضها السلطات تشمل الكراسي المتحركة وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي ومواد التنظيف والإطارات.
وقال مسؤول في الأمم المتحدة إن عمليات منع الدخول غالبا ما تبدو تعسفية، وقد تشمل سلعا يومية كالأطعمة الطازجة والدجاج المجمد دون تقديم سبب.
وأفاد الهلال الأحمر الفلسطيني، المزود الرئيسي لخدمات الطوارئ الطبية في غزة، أن “مستودعاته مليئة بأشياء تنتظر تصريحا لدخولها”.
وبعيدا عن رؤية كوشنر للمباني الزجاجية البراقة، تؤخر إسرائيل وصول الخيام ومواد البناء الأساسية اللازمة لجعل المباني المُدمرة شبه صالحة للسكن، مثل الخشب الرقائقي ومسامير التسقيف وأنابيب المياه، وفقا لما ذكرته منظمات الإغاثة.
كما تقوم إسرائيل بإلغاء تسجيل 37 منظمة دولية غير ربحية، من بينها أوكسفام والمجلس النرويجي للاجئين، وقد شكّلتا ركيزة أساسية لعمليات الإغاثة طوال فترة الحرب. ورفضت هذه المنظمات الامتثال لقانون تسجيل المنظمات غير الحكومية الجديد الذي يُلزمها بتقديم قوائم بأسماء موظفيها إلى السلطات الإسرائيلية، وسيتعين عليها التوقف عن العمل في آذار/ مارس المقبل.
لكن المجلس النرويجي للاجئين، وهو مزود رئيسي لمواد الإيواء، يقول إن إسرائيل تعرقل مساعداته بالفعل. وقالت شاينا لو، المتحدثة باسم المجلس: “عندما بدأ سريان وقف إطلاق النار، كان لدينا ما يعادل 200 شاحنة من مواد الإيواء والنظافة الشخصية قد رفضت. ومنذ ذلك الحين، تلقينا 17 رفضا إضافيا”.
وفي ظل نقص مواد البناء اللازمة لترميم منازلهم، يضطر العديد من سكان غزة إلى المبيت في مبانٍ مدمرة معرضة للانهيار.
عاد رائد حسنين، وهو أكاديمي، وعائلته إلى منزلهم في شمال مدينة غزة، رغم أن “نصف المنزل احترق وانهار”.
يقول إنه “أفضل من الخيمة، فقد مددنا أغطية بلاستيكية لسد الفجوات الناتجة عن انهيار الجدران، ولتقسيم مكان النوم إلى قسمين، أحدهما للرجال والآخر للنساء”. ويضيف: “لا توجد خصوصية، ولا كهرباء، ولا مياه نظيفة”.
لا يستطيع رائد إجراء أي إصلاحات. يقول: “يبلغ سعر الطوبة الواحدة دولارين، بينما يباع كيس الإسمنت منتهي الصلاحية، المتبقي من قبل الحرب، بمئتي دولار”. وقد أزالت العائلة بالفعل كل الأخشاب من المبنى لاستخدامها كوقود، إذ لم يكن غاز الطهي يصل إلى غزة خلال الحرب.
ورفض حسنين رؤية كوشنر لـ”غزة جديدة” واصفا إياها بأنها محاولة “لبيعنا وهماً تحت ستار الخلاص، أنتم تصطادون الحيوانات من أجل لحومها، لكنكم تصطادون البشر عندما تبيعونهم الأمل”.
وأضاف أن هذا العرض اختزل القطاع “بكل جراحه وشهدائه وأطفاله ومنازله المدمرة إلى صورة براقة، وكأنه ليس وطنا، بل مساحة تُعاد صياغتها وفقا لأهواء الأقوياء”.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :