خطاب النقد هو خطاب النصر

خطاب النقد هو خطاب النصر

 

Telegram

عندما تتعرّض أيّ أمة أو شعب أو جماعة أثناء صراعها مع عدوها لصدمة ما تضعها أمام محنة كبرى تهزّ أركانها، وتُلقيها وسط نكبة عظمى تزلزل كيانها، وتُحدث فيها كارثة شاملة تُربك توازنها… فإنّ ذلك يُلجئها بطريقة طوعية أو جبرية إلى مراجعة ماضيها وتاريخها، ودراسة حاضرها وواقعها، واستشراف مستقبلها ومصيرها… وهذه المراجعة إمّا أنْ تكون بمنهج وخطاب النقد لتعرف أسباب الهزيمة وعوامل النهضة فترسم ملامح النصر، وإمّا أن تكون بمنهج وخطاب العُجب فتطمس أسباب الهزيمة وعوامل النهضة فتُكرّس واقع الهزيمة.

منهج وخطاب النقد الذي عمد القرآن الكريم إلى إرشاد المسلمين إليه بعد هزيمة غزوة أُحد، فقال لهم بعد أنْ استغربوا وقوع مُصيبة الهزيمة لهم وفيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا “أنّى هذا؟!”، فردّهم إلى أنفسهم “قل هو من عند أنفسكم”، ليبحثوا عن أسباب الهزيمة في العوامل الداخلية، وهذا توجيه إلهي عظيم للبحث عن الخلل الذاتي الذي يستدعي بالضرورة النقد كشرط أساسي لمعالجة الخلل الذي قاد إلى الهزيمة وتجاوزه إلى النصر، فمنهج وخطاب النقد هو منهج وخطاب النصر.

منهج وخطاب العُجب هو الذي حذّر القرآن الكريم المسلمين منه كدرس مُستخلص من المرحلة الأولى لمعركة حُنين التي كادوا أن يُهزموا فيها وسجّل ذلك درساً أزلياً لكلّ أجيال المسلمين، فقال الله -عز وجل- “وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا”، أي أنّ العُجب هو سبب الهزيمة، والعُجب هو المقابل للنقد عندما يكون منهجاً وخطاباً، فيبحث فيه الإنسان الفرد أو الجماعة عمّا يخدع به ذاته من مزايا وقدرات يُضخّمها ويُبالغ فيها مُتجاهلاً مواطن الخلل ونقاط الضعف، فيستمرّ الخلل ويتسع الضعف وتتكرّس الهزيمة، فمنهج وخطاب العُجب هو منهج وخطاب الهزيمة.

وهذا المنهج القرآني في النقد دعا إليه المفكّر القومي (قسطنطين زريق) في كتابيه (معنى النكبة) عام 1948، و (معنى النكبة مُجدّداً) عام 1967، فقد دعا إلى النقد الذاتي للبحث عن الأسباب الداخلية للنكبتين في الأمّة العربية لمعالجتها وتجاوزها.

وهو المنهج نفسه الذي طالب به المفكّر الإسلامي (توفيق الطيب) في دراسته (ما بعد النكبتين) عام 1968، عندما دعا إلى تجاوز الفكر الليبرالي والاشتراكي الذي قاد إلى هزيمتي النكبتين، والتجاوز يبدأ من النقد، النقد الذي كان موضوع كتاب (في النقد الذاتي) للمفكّر السوري (خالص جلبي) عام 1982، فقد حمل مضمونه فكرة ضرورة النقد الذاتي للحركة الإسلامية وكلّ الجماعات والشعوب والأمم، لتبحث عن الأسباب الداخلية كأساس للعجز والفشل، وضرورة ربط السبب بالنتيجة كأساس لمنهج النقد الذاتي.

ومنهج النقد الذاتي في الفكر والممارسة هو الذي حرّك المفكّر الفلسطيني الإسلامي فتحي الشقاقي، لينطلق من النقد إلى التجاوز ثم الإبداع، فأنشأ (حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين)، انطلاقاً من رؤية نقدية متجاوزة للحركتين الإسلامية والوطنية في فلسطين في ذلك الوقت، فكانت اجتهاداً فكرياً إبداعياً متجاوزاً إشكالية الحركتين في تحديد العلاقة بين الإسلام وفلسطين.

الخلاصة أنّ تجاوز الهزيمة إلى النصر مستحيل من دون النقد الذي يكشف أسباب الهزيمة ويعالجها، فالنقد إذاً مرحلة متوسطة بين واقع الهزيمة في الحاضر وإدارة النصر في المستقبل، ومن دون النقد تمتد الهزيمة وتتكرّس واقعاً في حياة الناس، ومع النقد المنهجي والموضوعي والجدّي والعميق نستطيع أنْ نضع أيدينا على ثغرات الخلل فنسدّها، ونبصر بأعيننا مواضع الزلل فنردمها، ونستبصر بقلوبنا نقاط الضعف فنقوّيها، وندرك بعقولنا مكامن الخطأ فنصوّبها، ونقيّم بفكرنا مداخل الانحراف فنقوّمها.. وبذلك يكون خطاب النقد هو خطاب النصر.

وعندما نقول إنّ خطاب النقد هو خطاب النصر، فهذا يعني أنّ الأمة وشعوبها وقواها المقاومة لديها من الإرادة والقدرة ما يُمكّنها من النهوض الدائم والثورة المستمرة نحو النصر المؤكّد والحتمي حتى تحقيق أهدافها.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram