بين توقيت بالغ الحساسية وبين رسائل متقاطعة الاتجاهات، تبرز زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت كحدث يتجاوز الإطار البروتوكولي، ويدخل مباشرة في قلب المشهد الأمني والسياسي الإقليمي.
وتأتي الزيارة فيما الجنوب يقف عند مفترق دقيق، بعد إعلان الجيش اللبناني نجاح خطته في بسط السيطرة على جنوب نهر الليطاني ونزع السلاح غير الشرعي، وسط غطاء سياسي كامل من الرئاسات الثلاث، يقابله تشكيك إسرائيلي صريح يفتح باب الاحتمالات على مصراعيه.
وإعلان قيادة الجيش لم يكن تفصيلا عابرا، اذ للمرة الأولى منذ سنوات، يصدر موقف رسمي واضح يؤكد فرض وقائع ميدانية جديدة في منطقة لطالما اعتبرت في الحسابات الإسرائيلية ساحة مفتوحة. كما ان البيان حمل نبرة ثقة مدروسة مفادها أن الدولة اللبنانية استعادت زمام المبادرة، وأن الجنوب بات تحت إشرافها الأمني المباشر ما يمنع استخدامه منصة لأي عمل عسكري.
بالتالي هذه الرسالة داخليا، تعني تثبيت معادلة احتكار الدولة للقوة. اما خارجيا، فهناك محاولة نزع الذرائع التي لطالما استُخدمت لتبرير التصعيد.
غير أن تل أبيب قرأت المشهد من زاوية مختلفة تماما، كَوْن التشكيك الإسرائيلي في مضمون بيان الجيش لم يأتِ بصيغة تقنية أو استفسارية، بل بصيغة سياسية-أمنية مقصودة، فهي تصر على أن لديها معطيات استخباراتية عن بقاء أهداف ضمن دائرة الاهتمام، وترى أن ما أعلن لبنانيا لا يرقى إلى مستوى الضمانات التي تطالب بها.
في هذا السياق، يصبح التشكيك بحد ذاته أداة ضغط، ورسالة بأن القرار العسكري لا يزال مطروحا، وأن ساحة الجنوب لم تغلق نهائيا بوجه الضربات.
وسط هذا المشهد، تبرز دلالة توقيت زيارة عراقجي التي تعكس محاولة إيرانية لالتقاط لحظة دقيقة، اما لتحصين الساحة اللبنانية سياسيا، او لمراقبة كيفية إدارة الحزب والسلطة اللبنانية لهذا الامتحان غير المسبوق، فالوفد الاقتصادي المرافق، على أهميته، لا يحجب البعد السياسي العميق للزيارة، خصوصا أن إيران تدرك أن أي ضربة إسرائيلية في هذا التوقيت ستقرأ إقليميا كرسالة مباشرة إليها قبل أن تكون موجهة إلى لبنان.
وهنا يطرح السؤال أكثر تعقيدا من مجرد احتمال ضربة عسكرية، فالمسألة تتعلق بما إذا كانت إسرائيل مستعدة لتجاهل رسالة الجيش اللبناني والإجماع السياسي الداخلي، والمضي في خيار التصعيد، ولو على وقع زيارة وزير خارجية دولة إقليمية وازنة، فهكذا خطوة ستعني نسف كل الجهود الدبلوماسية القائمة، ونقل المواجهة إلى مستوى جديد، تتداخل فيه الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية الدولية.
وفي المحصلة، يبدو ان وجود عراقجي في بيروت يزيد المشهد ضبابية ويجعل أي خطأ في الحسابات قابلا للتحول إلى انفجار واسع لا يقتصر صداه على الجنوب بل يمتد إلى الإقليم بأسره.
شادي هيلانة - "أخبار اليوم"
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :