من "مونرو" إلى "دون مونرو" وعودة الاستعمار

من

 

Telegram

من "مونرو" إلى "دون مونرو" وعودة الاستعمار

في مقالة كان قد كتبها أنطون سعاده ونشرت في مجلة المجلة السنة العاشرة الجزء الرابع تاريخ 01/05/1924

تحت عنوان: سقوط الولايات المتحدة الأمريكية من عالم الإنسانية الأدبي.

قدّم سعاده نقدًا لاذعاً لما اعتبره خيانة للمبادئ الامريكية المعلنة، حاول سعاده آنذاك محاكمة الولايات المتحدة التي ادعت الدفاع عن حقوق الشعوب، بينما باركت في الوقت نفسه وصاية فرنسا على الوطن السوري، سعياً وراء امتيازات استعمارية مساوية لتلك التي نالتها فرنسا، وفي نظره شكّل هذا الموقف فضحاً صريحاً للنفاق السياسي الأمريكي وأكد أنها سقطت من عالم الإنسانية الأدبي.

في هذه الخيانة للمبادئ، يكمن جوهر الاستعمار القادم، حيث تحولت القوة العظمى من "راعية للحقوق" إلى شريكة فاعلة في انتهاك السيادات الوطنية.

عزيزي القارئ، تأمل معي الرفض الأمريكي للاعتراف بجمهورية "هايتي" المستقلة وهي على البحر الكاريبي (1804) وهي أول جمهورية (للسود في العالم) في سياق سعيها إلى الهيمنة عليها.

كما لا يمكن تجاهل الإهمال الفاضح لتقرير (كينغ كراين) الذي أيد استقلال الوطن السوري. في كلا النموذجين نلاحظ كيف جرى التضحية بمبدأ (حق تقرير المصير) لصالح الهيمنة والاحتلال.

أولاً: المسار التاريخي

 في الثاني من كانون الأول عام 1823 أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو، في خطابه السنوي أمام الكونغرس، ما عُرف لاحقا بمبدأ "مونرو" وقد بدا هذا المبدأ في صيغته المعلنة دفاعياً، قائماً على منع التدخل الأوروبي في شؤون القارة الأمريكية، مقابل امتناع الولايات المتحدة عن التدخل في الشؤون الأوروبية.

 غير أن القراءة التاريخية النقدية تكشف أن هذا المبدأ لم يكن إعلاناً لسيادة الشعوب بقدر ما كان إعلان وصاية أمريكية على نصف الكرة الغربية.

ويؤكد المؤرخ الأمريكي (1933-2021) Walter Lafeber أن مبدأ "مونرو" شكّل منذ بدايته إطاراً أيدولوجياً لتوسيع النفوذ الأمريكي تحت غطاء الحماية فمع ضعف الإمبراطوريات الأوروبية بعد حروب نابليون، وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقع يسمح لها بوراثة النفوذ الاستعماري.

كما ويشر الباحث الأمريكي Greg Grandin (1963) إلى أنه مع نهاية القرن التاسع عشر، انتقل مبدأ "مونرو" من مجرد صيغة خطابية، إلى سياسة تدخلية مباشرة، خصوصاً بعد إضافة ما عُرف ب ملحق روزفلت 1904 الذي منح الولايات المتحدة "حق التدخل الوقائي"!! في دول أمريكا اللاتينية متى رأت أن استقرارها مهدداً. وهكذا تحّول الشعارمن "أمريكا للأمريكيين إلى أمريكا للأمريكيين الشمالين.

ثانياً: المسار السياسي

خلال القرن الماضي وحتى اليوم، استخُدم مبدأ مونرو لتبرير الانقلابات، والاحتلالات، وفرض الحصار الاقتصادي الجائر. وقد تجلى ذلك في غواتيلاما وتشيلي ونيكارغوا وكوبا، حيث كانت الذريعة أو الحجة هي ذاتها إلى يومنا هذا والتي تمثلت (حماية الامن القومي الأمريكي أو منع الخطر) بينما كانت النتيجة الفعلية إعادة إنتاج للاستعمار والهيمنة.

ويشير المؤرخ غريغ غراندن Greg Grandin في كتابه: Empire’s Workshop: Latin America, The US, And The Rise Of The New Imperialism.

 إلى أن أمريكا اللاتينية شكّلت المختبر الأول للإمبريالية الحديثة، ويرى أن سياسيات التطبيع الاقتصادي ودعم الأنظمة التابعة، وتجويع الشعوب عبر العقوبات، سبقت بكثير ما شهدته مناطق أخرى من العالم.

وبناء عليه، لا يمكن فصل مبدأ مونرو عن العقلية التي تحكم النظام الدولي الأحادي القطبية، والي تتجلّى في اختزال الشريعة الدولية، وتهميش الأمم المتحدة، وشل مجلس الامن كلما تعرضت قراءته مع المصالح الامريكية.

ثالثاً: سقوط ترامب الأخلاقي

مع وصول ترامب إلى سدة الرئاسة، تخلت السياسة الأمريكية عن كثير من أقنعتها الدبلوماسية التقليدية، وبرزت عودة فجة واستعراضية للسياسة الإمبريالية. ويتجلّى ذلك بوضوح في خطابه تجاه أمريكا اللاتينية، ولا سيما فنزولا، حيث استُحضرت أدوات القرن التاسع عشر بلا مواربة.

أن الضغوط التي مورست على فنزويلا، من فرض العقوبات الظالمة، وتجميد الأصول، وصولاً إلى التهديد المباشر بالتدخل العسكري، ليس سوى تطبيقاً فعلياً لمبدأ مونرو وبشكل خال من الخجل، فترامب هذا وببساطة متناهية أكتفى بمنطق القوة تحت عنوان: مَن لا يخضع يُذل ويعُاقب.

في هذا السياق تشير الباحثة جولي فيفر Julie M.Weifer في كتابها The Economics Of Imperialism "أن العقوبات على فنزولا لم تستهدف النظام السياسي بقدر ما استهدفت المجتمع والدولة معاً في محاولة لكسر الإرادة السياسية للشعب"

يا لها من مفارقة صارخة وسقوط أخلاقي وإنساني، إذ ترفع الولايات المتحدة شعارات (حقوق الانسان والديمقراطية والحرية) بينما تمارس في الواقع سياسات التفقير، والتجويع، والحصار الاقتصادي، إلخ بحق شعوب ودول غديدة، قريبة ولعيدة. وهذا يتضح أن مبدأ مونرو ليس مجرد حدث تاريخي، بل تعبير دائم عن منطق السيطرة والاستعمار.

الخاتمة:

من مونرو إلى ترامب، قد يتبدّل الخطاب الأمريكي، لكن الجوهر واحد هو التحكم بالشعوب والعالم، إن إعادة إحياء مبدأ مونرو من جديد ليس الا تأكيد على بقاء العقلية الاستعمارية، وتأكيد بأن الجيوش لم تعد الوسيلة الوحيدة، بل سياسة العقوبات، والحصار الاقتصادي، والعزل هذه هي الأدوات الجديدة.

غير أن التاريخ يعلمنا، ان الاستعمار ليس قدراً محتوماً فقد قاومت شعوب كثيرة على هذه الأرض الاستعمار الكلاسيكي عبر التضامن، والوعي الجماعي.

لقد آن الأوان لكسر منطق القطبية الواحدة وبناء عالم أكثر تعددية، عالم لا يُعاقب فيه شعب بأكمله فقط لأنه اختار طريقاً مختلفاً، ولا تُحاصر فيه دول لمجرد أنها قالت لا.

بيروت في 08/01/2026

نجا حماده الباحث في علم التاريخ

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram