د. ليلى نقولا
لطالما شكّل مفهوم "الحرب الاستباقية" جدلية شائكة في العلاقات الدولية، لا سيما في منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط. وفي حين التزمت الجمهورية الإسلامية في إيران، منذ نشأتها عام 1979، بعقيدة عسكرية قوامها الدفاع المتأخر، وما عُرف بـ"الصبر الاستراتيجي"، تشير معطيات السادس من كانون الثاني 2026 إلى تحوّل جذري وتاريخي في العقيدة الأمنية الإيرانية، تؤسس لمرحلة جديدة من "الردع بالاستباق". ويشكّل هذا الانتقال تحدياً مباشراً لـ"عقيدة بيغن" الإسرائيلية التي كانت تحتكر حق الاستباق في المنطقة.
الإطار القانوني للاستباق
يتأرجح مفهوم "الضربة الاستباقية" بين نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تعطي الدول حق الدفاع عن النفس في مواجهة اعتداء خارجي، وبين العرف الدولي المستقر المعروف بـ"مبدأ كارولين" لعام 1837 الذي انطلق بالأساس من أزمة أميركية- بريطانية.
يعطي هذا العرف للدول الحق في "الدفاع الشرعي الاستباقي" شريطة أن يكون التهديد آنياً، وكاسحاً، ولا يترك مجالاً لاختيار الوسائل أو لحظة للتفكير"، على أن أي لجوء لهذا الخيار "الاستباقي" يظل مرهوناً بإثبات "حتمية العدوان" والالتزام الصارم بمعياري "الضرورة والتناسب".
وبناءً عليه، يُميّز الفقهاء بوضوح بين "الضربة الاستباقية" التي قد تكتسب مشروعية لدرء خطر وشيك ومؤكد، وبين "الحرب الوقائية" (استخدمها الرئيس الأميركي جورج بوش في العراق)، وهي تستهدف تهديدات محتملة أو بعيدة المدى، مع العلم أنها شكّلت سابقة غير مشروعة في القانون الدولي.
دوافع إيران: أزمة الثقة
لم يأتِ هذا الانقلاب في المفاهيم العسكرية لدى إيران من فراغ، بل هو استجابة قسرية لمرحلة تتسم بالخطر الوجودي، ولبيئة إقليمية ودولية عرفت العديد من محطات "الخداع" في فترة ما قبل الحرب. على سبيل المثال، ترى القيادة الإيرانية أن المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة والذي سبق حرب الأيام الاثني عشر قد استُخدم، من وجهة نظرها، كغطاء سياسي للتمهيد للتصعيد العسكري.
وهكذا، فإن رسائل التطمينات التي نقلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نيابة عن نتنياهو (كما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية)، والتسريبات الإعلامية العبرية التي تنفي نية الهجوم، تُقابَل في إيران بشكوك كبيرة حول صدقيتها، ويُنظر إليها كجزء من تعمية تهدف إلى كسب الوقت قبل تصعيد محتمل. وهكذا، تتلاقى المخاوف العسكرية مع الرؤية السياسية للمرشد الأعلى السيد علي خامنئي، الذي قال في تغريدة في يوم البيان نفسه إلى أن "العدو يبعث برسالةٍ يدّعي فيها أنّه «لا يريد القتال»، مع علمنا بطبيعته الخبيثة المخادِعة الكاذبة، وعدم ثقتنا بادّعاءاته".
مبدأ جديد للاستباق: "المؤشرات الملموسة" كإعلان حرب
يؤكد بيان أمانة مجلس الدفاع الإيراني أن إيران في دفاعها عن النفس "لا تحصر نفسها في الردّ بعد وقوع الفعل فحسب، بل تعتبر المؤشّرات الملموسة على وجود تهديد جزءاً من المعادلة الأمنية".
الجديد في هذا الأمر هو أن إيران نقلت "المؤشرات الملموسة" من خانة العمل الاستخباري إلى خانة "الموجِب للرد العسكري"، ما يعني أن إيران لن تنتظر سقوط الصواريخ على أراضيها لتتحرك، بل باتت "المؤشرات" (التحشيد، المناورات، النشاط السيبراني المكثف) بمثابة " مؤشرات اعتداء" توجب الرد الفوري بالرغم مما سيثيره ذلك من جدلية دولية حول أحقية الضربة الإيرانية الأولى.
وعليه، إن انتقال إيران إلى مربع الاستباق قد يدفع المنطقة الى حرب إقليمية، وتؤسس لمرحلة خطيرة فيها ما يلي:
- نهاية "المناطق الرمادية": لطالما لعبت إسرائيل وإيران في المناطق الرمادية (حروب الظل). العقيدة الإيرانية الجديدة تضيّق هذه المساحة؛ فأي خطوة إسرائيلية غامضة قد تُفسر في طهران كـ"مؤشر ملموس" لتهديد وجودي، مما يستدعي ضربة وقائية "حازمة ومتناسبة" (كما يشير البيان).
- خطورة سوء التقدير: بما أن "النوايا" و"المؤشرات" باتت هي معيار الحرب، فأي خطأ في قراءة "مؤشر" ما، قد يشعل حرباً إقليمية شاملة لا يريدها أحد.
- الاستقرار الاقليمي يحتاج الى آليات دولية جديدة. لم يعد نقل الرسائل كافياً؛ بل بات المطلوب "ضمانات مادية" بوقف التحركات العسكرية لتخفيف التوتر الإقليمي.
وهكذا، يبدو الشرق الأوسط أمام لحظة تأسيسية جديدة. تعكس هذه المقاربة الجديدة رسالة مفادها، من المنظور الإيراني، أن كلفة الانتظار باتت أعلى من كلفة المبادرة. وإذا كان "الصبر الاستراتيجي" قد حمى النظام لعقود، فإن "الدفاع الاستباقي" هو الرهان الجديد لحماية الدولة والنظام في وجه ما تعتبره طهران "حرب وجودية حقيقية".
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :