بغداد | يتجدّد الجدل في العراق حول ملف السلاح، في ظلّ استمرار الضغوط الخارجية، التي يقابلها إصرار فصائل المقاومة على ربط أي نقاش بشأن سلاحها بملف الاحتلال والتهديدات الإقليمية. وفي أثناء الأسابيع الماضية، صدرت مواقف متزامنة من السلطتين القضائية والتنفيذية تؤكّد أنّ «حصر السلاح بيد الدولة لم يعُد خياراً مؤجّلاً، بل بات شرطاً ضرورياً للاستقرار». واعتبر رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، أنّ مرحلة ما بعد «داعش» تفرض الانتقال من منطق السلاح إلى منطق الدولة، مضيفاً أنّ «استمرار وجود السلاح المنفلت يعرّض البلاد لمخاطر جسيمة، ويفتح الباب أمام صراعات داخلية وتدخّلات خارجية».
وفي المقابل، وفي بيان لافت أصدرته أول أمس، جدّدت «تنسيقية المقاومة العراقية» التي تضمّ 6 فصائل رئيسة، رفضها القاطع لأي حديث عن تسليم السلاح قبل إنهاء «كل أشكال الاحتلال الأجنبي». وعدّ البيان، الذي تزامن مع ذكرى اغتيال الشهيدين قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، السلاح «مقدّساً» و«صمّام أمان» في مواجهة التهديدات، مؤكّداً أنّ «الحوار بشأنه، حتى مع الحكومة، مشروط بتحقيق السيادة الكاملة وخروج القوات الأجنبية». وذهب النائب فالح الخزعلي، عن «كتائب سيد الشهداء»، من جهته، أبعد من ذلك، رابطاً ملف السلاح بوجود «136 نقطة توغل وقواعد عسكرية تركية» داخل الأراضي العراقية، واستمرار الاحتلال الأميركي، محذّراً من أنّ «أي نزع للسلاح من دون ضمانات قد يفتح الباب أمام عودة الإرهاب أو توسيع دائرة التدخّل الخارجي».
تجدّد رفض بعض الفصائل تسليم سلاحها يعكس حجم التعقيد الذي يواجه الدولة في إدارة هذا الملف
مع ذلك، تكشف مصادر مطّلعة داخل بعض الفصائل عن نقاشات غير معلنة، تتحدّث عن استعداد قوى محدّدة لتشكيل لجنة عليا للتفاوض مع الدولة بشأن آليات نزع السلاح، وذلك شريطة تقديم ضمانات سياسية وأمنية واضحة، تشمل إخراج القوات الأجنبية، ودعم القوات الأمنية، ومنع استهداف الفصائل أو إقصائها سياسياً. ويأتي هذا في وقت تطالب فيه واشنطن باستبعاد 6 فصائل تصنّفها «إرهابية» من الحكومة المقبلة، وتربط أي شراكة أمنية مستقبلية مع بغداد بتفكيك البنية المسلحة القائمة خارج الدولة.
وتتزامن هذه الضغوط مع استمرار محاولات إسرائيل توسيع دائرة المواجهة، وهو ما عبّر عنه رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، حين قال إنّ «حصر السلاح ليس استهدافاً للعراق، بل حماية له ونزع لذرائع من يريد الاعتداء عليه». ويعوّل السوداني على التوصل إلى اتفاق ينهي مهمّة «التحالف الدولي» مع نهاية 2026، وتسلّم قاعدة عين الأسد في أثناء أيام، لتحقيق خطوات إضافية في مسار حصر السلاح. غير أنّ مراقبين يرون أنّ إنهاء الوجود العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ السياسي والأمني الأميركي، وهو ما يغذّي شكوك الفصائل.
ويرى الخبير الأمني، عبد الستاري العلي، أنّ «تجدّد رفض بعض الفصائل تسليم سلاحها يعكس حجم التعقيد الذي يواجه الدولة في إدارة هذا الملف، خصوصاً في ظلّ تشابك العوامل الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية». ويعتقد أنّ «التحدي الحقيقي لا يقتصر على نزع السلاح بحدّ ذاته، بل يشمل كيفية الانتقال إلى مرحلة تضمن احتكار الدولة للقوة من دون خلق فراغ أمني أو فتح الباب أمام صدامات داخلية». ويعتبر أنّ «مستقبل الفصائل سيكون مرتبطاً بقدرتها على التحوّل إلى أطر سياسية وقانونية واضحة، بالتوازي مع حسم ملفّات السيادة والوجود الأجنبي. المرحلة المقبلة مرشّحة لخيارات صعبة، تتراوح بين التفاهم المنظّم أو بقاء التوتر كعنوان دائم للمشهد العراقي».
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :