في خطوةٍ تعكس انتقال المشهد في محافظة حلب شمال سويا، من التوتر المضبوط إلى حافة الاشتباك المفتوح، أعلن الجيش السوري، عبر هيئة عملياته، أنّ مواقع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” داخل حيّي الشيخ مقصود والأشرفية باتت تُعدّ أهدافاً عسكرية مشروعة، وقرّر تصنيف الحيّين منطقةً عسكريةً مغلقة اعتباراً من الساعة الثالثة بعد ظهر اليوم الأربعاء (بتوقيت دمشق).
القرار لم يأتِ معزولاً عن سياقه الميداني.
فحلب تشهد، لليوم الثاني على التوالي، اشتباكاتٍ عنيفة ولكنّها متقطّعة بين فصائل تابعة لوزارة الدفاع السورية و”قسد”، تمتد من محيط الشيخ مقصود والأشرفية إلى بني زيد، وصولاً إلى محوري الكاستيلو والشيحان، ما أدّى إلى وقوع شهداء وجرحى، وبعدها تسبّبت المواجهات بحركة نزوح من الأحياء السكنية المحاذية، وفق ما أفادت به وكالة “سانا”.
ومع دعوة الجيش السوري المدنيين إلى الابتعاد فوراً عن مواقع “قسد” داخل الحيّين، أعلن فتح معبرين إنسانيين مؤقتين، هما معبر العوارض ومعبر شارع الزهور، قبل أن يدخل حظر التجوال الكامل حيّز التنفيذ عند الثالثة بعد الظهر، هذا الإجراء يحمل في ظاهره بعداً إنسانياً، لكنّه يعكس في عمقه استعداداً لمرحلة أكثر صلابة في إدارة الاشتباك.
في هذا السياق، يبرز التساؤل بشأن مدى صمود اتفاق العاشر من آذار/مارس بين “قسد” وحكومة دمشق، وما إذا كان إعلان الشيخ مقصود والأشرفية منطقةً عسكرية يشكّل خرقاً للتفاهم القائم، أم إعادة تفسير لبنوده تحت ضغط التطورات الميدانية.وفي ظلّ تشابك الحسابات الإقليمية والدولية، يبرز التساؤل حول موقفي تركيا والولايات المتحدة الأميركية من التطورات الجارية، وحدود تأثير كلّ منهما في مسار التصعيد أو احتوائه، أوضح جوهري أنّ المقاربتين الأميركية والتركية لما يجري تختلفان جذرياً؛ إذ تنطلق واشنطن من قناعة راسخة بحاجتها إلى “قسد” بوصفها شريكاً أساسياً للتحالف الدولي في محاربة تنظيم “داعش”، الذي كانت الولايات المتحدة قد أعلنت القضاء عليه عسكرياً في عام 2019.
ومن هذا المنطلق، تحاول واشنطن الإمساك بالعصا من المنتصف في إدارتها لهذا الملف، سعياً إلى الموازنة بين الحفاظ على الشراكة مع الكرد، وعدم خسارة تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي.
في المقابل، يرى جوهري أنّ أنقرة تتّبع سياسة “الهروب إلى الأمام”، عبر محاولة تصدير أزماتها الداخلية إلى الساحة السورية، في وقتٍ تشهد فيه المسارات التفاوضية داخل تركيا بشأن حزب العمال الكردستاني والملف الكردي عموماً حالة جمود، يعتقد أنّها مرتبطة بما يجري في شمال شرق سوريا.
ولفت إلى أنّ تركيا تسعى إلى خفض سقف أيّ مكاسب محتملة للكرد في شمال شرق سوريا، انطلاقاً من خشيتها من أن ينعكس أيّ تقدّم كردي هناك في الداخل التركي، وهو ما يفسّر، بحسب تعبيره، “سعي أنقرة الدائم إلى منع الكرد من نيل حقوقهم السياسية، تفادياً لارتدادات داخلية محتملة.
وفي النهاية سترضى تركيا مجبرةً لا بطلة بما سيتمّ الاتفاق عليه في سوريا.
وفي ما يتعلّق بالسيناريوهات المحتملة لمنطقة شمال شرق سوريا، لفت جوهري إلى أنّ الحالة السورية لم تعد تحتمل العودة إلى نموذج المركزية الصارمة، معتبراً أنّ هذا الخيار غير قابل للتطبيق في المرحلة الراهنة.
وأشار إلى أنّ البلاد مقبلة، بالضرورة، على تغييرات بنيوية ستطال شمال شرق سوريا، وكذلك مناطق الساحل والجنوب السوري، ما يعني أنّ سوريا المستقبل ستكون مختلفة جذرياً عن صيغتها السابقة، وهي عملية ستحتاج إلى سنوات حتى تتبلور وتُطبّق.
وأضاف جوهري أنّ قوات سوريا الديمقراطية تمتلك أوراق قوّة مؤثرة في شمال شرق سوريا، في وقتٍ لا تزال فيه التيارات الراديكالية داخل حكومة دمشق غير مقتنعة بالاتفاق القائم.
غير أنّ ضغوطاً تُمارس عليها، ولا سيّما من جانب الولايات المتحدة الأميركية والسعودية، للدفع باتجاه تنفيذ الاتفاق، وإن كان مسار تطبيقه مرجّحاً أن يمتد على سنوات، بفعل تعقيدات الواقع السياسي والميداني.
وكان اتفاق العاشر من آذار/مارس 2025، قد أُعلن بوصفه إطاراً سياسياً–أمنياً لدمج “قوات سوريا الديمقراطية” ومؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع التشديد على وقف إطلاق النار، ووحدة البلاد، وضمان حقوق جميع المكوّنات، وفي مقدّمها المجتمع الكردي، إضافة إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة في شمال وشرق سوريا، ومنع أيّ مسارات تقسيمية أو فراغ أمني قد تستفيد منه جماعات متطرّفة.
المصدر: الميادين
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :