لم تعد الصراعات في المنطقة تُدار بالمنطق الكلاسيكي للحروب فقط، التي تنتهي عادةً بانتصار أو هزيمة واضحة، بل باتت تُخاض وفق استراتيجيات أكثر تعقيداً، تقوم على إطالة أمد النزاعات، وتفكيك الدول من الداخل وإبقائها في حالة هشاشة دائمة. ومن يقرأ سلوك إسرائيل خلال العقد الأخير، يدرك هذا الأمر، فسلوكها في المنطقة يقوم على مقاربة عميقة تُبنى على استراتيجية إدارة الصراع عبر التفكيك، أو ما يُعرف باستراتيجية “الطوق المتشظي”، التي تقوم في جوهرها على فرضية بسيطة، لكنها خطيرة، مفادها بأنّ “أمن الدولة في بيئة نزاع معقّدة لا يتحقق بإغلاق الجبهات، بل بتحويلها إلى جزر تهديد منفصلة ومتباعدة تكتيكياً ومتنافرة استراتيجياً بحيث لا تتكامل فيما بينها لتشكيل طوق حصار أو تهديد مركب”. هذه المقاربة، التي تتقاطع مع مفاهيم “الحروب الرمادية” و”النزاعات منخفضة الشدة”، تسمح لإسرائيل بالحفاظ على تفوقها الاستراتيجي من دون دفع كلفة الحروب الكبرى، وتمنحها قدرة على التدخل أو الانسحاب وفق مقتضيات اللحظة.
في هذا السياق، يُمثل اعتراف إسرائيل بأرض الصومال دولة مستقلة ذات سيادة، خطوة في استراتيجيتها التي تقوم على تشجيع النزاعات الانفصالية ومناطق التمرّد، ليس بوصفها حلولاً لأزماتٍ داخلية، بل أدواتٍ لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية، وتفريغ الدول من مضمونها السيادي، بما يضمن بقاء الإقليم في حالة انقسام مزمن قابلة للإدارة والتحكّم، بدل مواجهة دول متماسكة ذات قرار سياسي مستقل.
وفي هذا الإطار، لا يبدو الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال حالة استثنائية، بل جزءاً من مسار آخذ في التبلور لدى كيانات سياسية انشقاقية في عدة دول عربية، ولا سيما في ليبيا وسورية والسودان واليمن. وبهذا المعنى، تتحوّل إسرائيل من مجرّد فاعل إقليمي إلى بوابة عبور سياسية لبعض مشاريع التفكيك، حيث يُعاد تعريف العلاقة معها ليس بوصفها قوة احتلال، بل باعتبارها شريكاً قادراً على توفير الغطاء الدولي، أو فتح قنوات الاعتراف، أو تسهيل الاندماج في شبكات النفوذ الإقليمية والدولية. وتُعدّ حالة أرض الصومال المثال الأكثر وضوحاً على تبلور هذا المسار، حيث تلاقت الحاجة الإسرائيلية إلى موطئ قدم استراتيجي في خليج عدن وباب المندب مع تطلعات كيانٍ انفصاليٍّ يبحث عن اعتراف دولي، فنتج من هذا التقاطع اعتراف لا يمكن فصله عن منطق إدارة الصراع عبر التفكيك وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة. وهنا لا يمكن التعامل مع الخطوة الإسرائيلية بوصفها مناورة دبلوماسية معزولة، بل باعتبارها تعبيراً صريحاً عن قناعة إسرائيلية راسخة بأن تفكيك الدول العربية أجدى وأقل كلفةً من مواجهتها وهي متماسكة.
بشار نرش
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :