أطفال لبنان.. كوابيس الحرب لا تعرف الهدنة
لا تزال أصداء الحرب تلاحق ميادة وطفلتيها، رغم نزوحهنّ من جنوب لبنان إلى بيروت في سبتمبر 2024، للابتعاد عن مناطق التوتر ومعاقل حزب الله. فليالي الحرب الضاجة بالانفجارات وزئير الطائرات لم تغادر ذاكرتهنّ، وصارت ملتبسة بتفاصيل حياتهن اليومية.
تعيش ميادة اليوم مع طفلتيها، 7 و9 سنوات، في غرفة صغيرة في العاصمة. تقول لـ”الحرة” إن ضيق المكان يمكن احتماله لكن هلع الحرب ما زال يحاصر طفلتيها.
“كل صوت مفاجئ، سقوط طبق أو حتى ضحكة عالية” يصيب الطفلتين بالهلع. “الأصوات التي هربنا منها لا تزال تطاردنا هنا أيضا، والخشية من تكرار الحرب لا تفارقنا”.
الخوف لا يقتصر على أسرتها. فشقيقة ميادة وأطفالها الأربعة اضطروا أيضاً للنزوح من منزلهم في الضاحية الجنوبية بعدما تلقوا تحذيرا مباشرا من الجيش الإسرائيلي قبل استهداف المبنى الذي كانوا يسكنون. وتستعيد ميادة تلك اللحظات العصيبة “كان هروبنا من المبنى مليء بالخوف والخوف”.
وتتحدث ميادة عن أثر تلك التجربة على أطفالها: “فقدوا المأوى الذي ترعرعوا فيه، والشعور بعدم الأمان، والكوابيس الليلية المستمرة”.
الأمان المفقود
في عالم الحرب، لا يعيش الأطفال صدمة واحدة، وإنما سلسلة من الصدمات، تقول مديرة جمعية “مفتاح الحياة”، الأخصائية النفسية والاجتماعية لانا قصقص، التي تلخّص المشهد بأن “الطفل لا يعود إلى نقطة الصفر، حتى لو توقّفت الحرب”.
تشرح قصقص لموقع “الحرة” تأثيرات الحرب المدمرة على الأطفال. تقول: “الدماغ يعاد بناؤه تحت الضغط، والعاطفة تعاد صياغتها، ومع كل يوم يمرّ، تتراكم الصدمات الصغيرة لتصنع تأثيرا كبيرا يطاول قدرة الطفل على التعلم، وفهم العالم، وبناء علاقة سوية مع الآخرين”.
وتسرد قصقص علامات الخطر التي يجب التنبّه إليها “اضطرابات في النوم، تبول لا إرادي، تعلّق كبير بالأهل، خوف من أبسط الأصوات، مهارات تتراجع، عزلة، عدوانية مفاجئة، أو تركيز يتبخّر”.وتقول إن هذه “مؤشرات انكسار داخلي قد تتحول إلى اضطراب ما بعد الصدمة: قلق مزمن، اكتئاب، أو حتى آلام جسدية يولّدها الضغط النفسي”.
وتلفت إلى أن الأهل هم خط الدفاع الأول “هم منظّمو العواطف في حياة أطفالهم. وعندما يرى الطفل ارتباك والديه وتوترهما خلال الحرب، ينهار مصدر الأمان الوحيد المتبقي لديه، فيغرق في فوضى عاطفية مربكة”.
وتقول الباحثة الاجتماعية، الأستاذة الجامعية، البروفيسورة وديعة الأميوني، إن “الحرب لا تصيب الأطفال فقط في تفاصيل يومهم، بل في عمق إحساسهم بالعالم حولهم”، وتشرح “الطفل الذي يشاهد الدمار أو يعيش التهجير يختبر انهيارا لمفهوم الأمان والاستقرار، وهما أساس النمو السليم. العلاقة مع العائلة تتغيّر، لأن الأهل أنفسهم يعيشون تحت ضغط الخوف والقلق، فيفقدون أحيانا القدرة على الاحتواء”.
أما في المجتمع، فيدخل الطفل في حالة ارتباك، وفق ما تقوله الأميوني، لـ”الحرة”، “فيشعر بالغربة داخل المكان الذي يعيش فيه، وقد يميل إما إلى الانسحاب أو إلى السلوك العدواني”.
وتضيف أن “الحرب تترك شرخا في وعي الطفل قبل أن تتركه في الحجر”.
أبعد من أزمة فردية
يعرف هادي، وهو أب لطفل في الثامنة، أن الحرب لا تنتهي عند حدود النزوح. فابنه ما زال يعيش كل يوم وكأن الخطر يقترب من باب البيت “إذا سمع أي صوت مفاجئ، يركض ليختبئ تحت الطاولة أو يصرخ،” يقول هادي لـ”الحرة”.
“معظم الأطفال الذين يكبرون داخل الخوف لن يصبحوا مواطنين مطمئنين، بل راشدين يبحثون عن أمان مفقود، أو قوة بديلة، أو عن طريق للخروج من البلد، هكذا، تصبح صدمة الطفولة بذرة تحدّد شكل المجتمع لعقود قادمة”، تقول قصقص.
كذلك ترى الأميوني أن جيلا ينمو على الصدمات يصبح أقل قدرة على بناء علاقات قائمة على الثقة. “كثير من الأطفال الذين عاشوا الحرب يكبرون وهم يشعرون أن العالم مكان غير آمن، وأن العلاقات قد تنكسر في أي لحظة. هذا يضعف قدرتهم على تكوين صداقات مستقرة، ويؤثر لاحقا على علاقاتهم الجامعة أو الزوجية. بعضهم ينحاز إلى العزلة، والبعض الآخر يبحث عن مجموعات تمنحه حماية رمزية. الصدمة لا تختفي تلقائيا، تحتاج إلى رعاية مستمرة حتى لا تتحول إلى نمط حياة”.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي