من دون العودة إلى تاريخ ما يسمّى بالولايات المتحدة الأميركية التي تمّ الإعلان عنها في 4 تموز/يوليو 1776 وهي الآن تستعدّ للاحتفال بالذكرى السنوية الـ 250 لقيامها، فقد أثبتت كلّ هذه السنوات الماضية أنّ هذا الكيان المصطنع يعاني من حالة جينيّة ورثها من الذين أسّسوه، والذين قتلوا الملايين من أصحاب الأرض الحقيقيّين من الهنود الحمر ونقلوا عدداً مماثلاً من الأفارقة لاستعبادهم.
ثم اقتتلوا فيما بينهم خلال حرب الشمال مع الجنوب الأهلية لينتهي بهم المطاف بقيام الدولة الهمجيّة التي اعتادت على القتل والإجرام وبفلسفة الكوبوي “الأبيض”.
وهو ما أثبته كلّ الرؤساء الأميركيين من دون استثناء ومذ أعلن الرئيس جيمس مونرو عام 1823 عن عقيدته التي اشتهرت باسمه، بعد أن هدّد وتوعّد الدول الأوروبية آنذاك وأهمها إسبانيا والبرتغال وفرنسا بعدم التدخّل في نصف الكرة الأرضية الغربي، أي أميركا اللاتينية، وقال “لا يحقّ للقوى الغربية احتلال أو استعمار أيّ مناطق جديدة في نصف الكرة الأرضية الغربي في المستقبل.
كما أنّ أيّ محاولة تقوم بها دولة أوروبية للسيطرة على أيّ دولة في نصف الكرة الأرضية الغربي أو تدميرها سننظر إليها على أنّها عمل عدواني ضدّ الولايات المتحدة”.
الرئيس ترامب وخلال مؤتمره الصحفي الذي أعلن فيه عن اختطاف الرئيس مادورو قال “إنّ الولايات المتحدة لن تنسى مبدأ مونرو بعد الآن أبداً”.
لم يتردّد في الكشف عن نيّات واشنطن للتدخّل أينما تقتضي المصالح الأميركية، وهو الذي سيحدّدها شخصياً على الأقل خلال فترة رئاسته التي لا تختلف في الجوهر عن عهد الرؤساء السابقين.
ومع أنّ الرئيس مونرو قال إنّ “نصف الكرة الأرضية الغربي لم يعد متاحاً للاستعمار الأوروبي”، جاء الرئيس جيمس كي بولك بعد عشرين عاماً ليضيف على ذلك بنداً جديداً مفاده أنه “لا يحقّ للدول الأوروبية أن تتدخّل في أيّ توسّعات محتملة للولايات المتحدة “.
وأما الرئيس ثيودور روزفلت وفي العام 1904 فتحدّث “عن حقّ واستعداد بلاده للتدخّل ضدّ الدول الأوروبية” التي كانت تهدّد آنذاك بالتدخّل عسكرياً لتحصيل ديونها من دول أميركا اللاتينية.
ليضيف بعد ذلك “أنّ التزام الولايات المتحدة بعقيدة الرئيس مونرو قد يضطرّها للقيام بدور الشرطي العالمي في الحالات السافرة التي تحدث فيها مثل هذه الممارسات”.
وأثبتت أميركا بعدها بسنوات التزامها بمبدأ روزفلت هذا وسمّي “بالعصا الغليظة”، حيث تدخّلت واشنطن بعدها فوراً في نيكاراغوا والدومينيك وهاييتي. ووصل عدد التدخّلات الأميركية في دول أميركا اللاتينية وعددها 33 دولة إلى 41 تدخّلاً، 17 منها تدخّل عسكري مباشر والباقي بدعم الانقلابات العسكرية للأنظمة الفاشية والتحريض على التمرّد وأعمال الشغب، وهي ما زالت مستمرة في جميع دول القارة.
أولاً لمنع اليسار من الوصول إلى السلطة، وثانياً لإسقاط الحكومات اليسارية في حال استلامها السلطة عبر الانتخابات الديمقراطية، كما هو الحال في أحداث فنزويلا، حيث تحالفت واشنطن دائماً مع قوى المعارضة الممثّلة برجال الأعمال الموالين لها والذين يسيطرون على قطاعات واسعة من الحياة الاقتصادية وأهمها المصارف والإعلام.
كما أنها أقامت شبكة من العلاقات الخفية مع عصابات المافيا لزعزعة الأمن الداخلي، وتوظيف المئات إن لم نقل الآلاف من عناصرها خدمة لمخططاتها وبرامجها التي تهدف لعرقلة مشاريع التنمية، بعد أن فرضت قيوداً معقّدة على كلّ الأنشطة الاقتصادية والتجارية للدول المعادية لها عبر قرارات الحصار والعقوبات والمقاطعة، كما هو الحال مع كوبا وفنزويلا اللتين تعرّضتا للعديد من محاولات الانقلاب والتمرّد.
وجاءت نتائج انتخابات هندوراس وشيلي التي أجريت في الربع الأخير من العام الماضي لتثبت دعم واشنطن وعصاباتها المالية والإعلامية للمرشّحين اليمينيين، وبعد أن فاز أمثالهم في الأرجنتين وبوليفيا والسلفادور وغواتيمالا والإكوادور مستغلّين فشل قوى اليسار في وضع وتطبيق البرامج المعدية والناجعة لتلبية مطالب الشعب في العيش الكريم بأهمّ عناصره؛ وهي التعليم والصحة والسكن والمواصلات والتخلّص من الفقر.
ومع أنّ انتصار اليمين يخدم المشاريع والمخططات الأميركية إلّا أنّ فوز خافيير ميلي في الأرجنتين، البلد الأهمّ في أميركا اللاتينية، ونجيب بقيلة ذي الأصل الفلسطيني يخدم الحسابات الصهيونية بسبب مواقفهما المؤيّدة لسياسات الكيان العبري ورئيس وزرائه المجرم نتنياهو، الذي يولي أميركا اللاتينية أهمية خاصة لأنها أدّت دوراً أساسياً في قرار التقسيم عام 1947، حيث أيّدت 13 دولة أميركية لاتينية وبضغوط أو إغراءات أو تهديدات الرئيس ترومان الشخصية القرار فيما امتنعت 6 دول عن التصويت، وهو ما كان كافياً لتمريره لصالح اليهود.
ومع انتظار انتخابات كولومبيا والبيرو في نيسان/أبريل وأيار/مايو العام الجاري، وبعدها المكسيك العام المقبل، يكتسب العدوان الأميركي على فنزويلا مع تطوّراته المحتملة خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة أهمية إضافية، وذلك مع انتظار ردّ الفعل الروسي والصيني الجادّ والعملي على العدوان الأميركي الذي إن استمر سوف يشكّل خطراً استراتيجياً على مجمل المصالح الروسية والصينية معاً وعلى انفراد بسبب الاحتياطي النفطي العظيم لفنزويلا، وبسقوطها سوف تتحوّل أميركا اللاتينية برمّتها إلى مسرح أميركي يصول ويجول فيه ترامب كيفما يشاء.
ويرى الكثيرون في هذا الاحتمال التحدّي الأكبر بالنسبة لموسكو أولاً ثم بكين ثانياً بعد تواصل الاتهامات لروسيا بالتخلّي عن حلفائها بسهولة، كما هو الحال مع صدام حسين ثم القذافي وأخيراً بشار الأسد والآن مادورو، وهو ما يصادف مع الحديث عن صفقة دولية بين ترامب وبوتين محورها أوكرانيا وعناصرها كثيرة.
وربما لهذا السبب راح ترامب يهدّد كولومبيا والمكسيك وإيران التي تعرّضت للعدوان الصهيو/أميركي في حزيران/يونيو الماضي مع استمرار التهديدات الأميركية ـــــ الإسرائيلية لها بحجّة التظاهرات المستمرة هناك.
وفي جميع الحالات وحتى إن تجاهلنا كلّ عمليات التدخّل الأميركي في الجغرافيا العربية والإسلامية مع بدايات الحرب الباردة لمواجهة التيار القومي اليساري المدعوم من الاتحاد السوفياتي، وهو ما تطلّب إقامة الأحلاف الإقليمية والتدخّل المباشر وغير المباشر في سوريا ولبنان والأردن والعراق وليبيا وإيران والجزائر وباكستان وأفغانستان، فقد بات واضحاً أنّ ما يهمّ واشنطن هو التحالف الجيني مع الكيان العبري المصطنع مثلها طالما أنّ هذا الكيان يخدم جميع مصالحها حاله حال العديد من الأنظمة في المنطقة، وفيها الكثير من العملاء الذين باعوا ويبيعون ضمائرهم للشيطان الكبير منه والصغير.
وكما هو الحال في عملية اختطاف مادورو وقبل ذلك في سقوط نظام الأسد، وخلال العدوان على إيران وغزة، وقبل ذلك استهداف سيد الشهداء حسن نصر الله ورفاقه العظماء، وهم جميعاً رفاق مادورو ومن قبله تشافيز اللذين عاداهما الغرب الإمبريالي فقط لأنهما كانا مع محور المقاومة، وكذلك من كان وما زال معها من الشرفاء الأوفياء وهم كثر وفي كلّ مكان.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :