المفاوضات السّوريّة "الإسرائيليّة": التّاريخ يعيد نفسه

المفاوضات السّوريّة

 

Telegram

عجّلت السلطة السوريّة الجديدة في التوجّه نحو إسرائيل وتشريع أبواب التفاوض معها. فبعد أوّل إقرار رسمي من دمشق بعقد لقاء بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، يجري الحديث عن ترتيب اجتماع في نيويورك الشهر المقبل بين الرئيس أحمد الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على هامش الدورة الثمانين للجمعيّة العموميّة للأمم المتّحدة، قد يتخلّله، أو يسبقه، توقيع اتّفاق أمنيّ بين الجانبين، يكون بمنزلة خطوة أولى نحو انضمام سوريا إلى مسار “الاتّفاقات الإبراهيميّة”.

 

 

يتزامن ذلك مع تقارير إسرائيلية عن اتّفاق ينزع السيادة السوريّة عن جنوب البلاد من شأن تطبيقه تحويل المنطقة الحدودية إلى ضفّة شماليّة أخرى تمارس فيها دولة الاحتلال ما تمارسه في الضفّة الغربية وجنوب لبنان من فرض سلطة الأمر الواقع وممارسة حقّ التدخّل في كلّ شاردة وواردة وفرض مصلحتها الأمنيّة الخاصّة.

تجربة الكتلة الوطنيّة مع الوكالة اليهوديّة

في ظلّ غياب الشفافيّة وعدم وضوح طبيعة الاتّفاقات، ومع اختلال ميزان القوى بين الطرفين، تبرز المخاوف من تكرار سيناريو ثلاثينيّات القرن الماضي مع الكتلة الوطنيّة السوريّة وأطياف من الحركة الوطنيّة، كما يكشف كتاب الأكاديمي الفلسطيني محمود محارب “العلاقات السرّية بين الوكالة اليهودية وقيادات سوريّة في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى”.

يجري الحديث عن ترتيب اجتماع في نيويورك الشهر المقبل بين الرئيس أحمد الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على هامش الدورة الثمانين للجمعيّة العموميّة للأمم المتّحدة
لقد أظهرت وثائق الأرشيف الإسرائيلي أنّ الوكالة اليهودية، عبر دائرتها السياسية وذراعها الاستخباريّة “القسم العربي”، أقامت شبكة من اللقاءات والاتّصالات مع شخصيّات سياسية وإعلاميّة سوريّة خلال العقود التي سبقت حرب 1948، خصوصاً في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939). وشملت هذه الاتّصالات الكتلة الوطنية والمعارضة “الشهبندريّة” وبعض القيادات الدرزيّة، بهدف وقف الدعم السوريّ للثورة الفلسطينية، وإحداث شرخ بين القيادات السوريّة والحركة الوطنية الفلسطينية، وكسب تأييد النخب السوريّة لمشروع الوطن القوميّ اليهودي، بل ووسم الحركة الوطنية الفلسطينية بالتطرّف والإرهاب، والدفع باتّجاه “اتّفاق عربي ـ يهودي” على حساب الحقوق القوميّة للشعب الفلسطيني.

بدأت هذه الاتّصالات عام 1935 حين زار القيادي فخري البارودي فلسطين والتقى ممثّل الوكالة إلياهو أبشتاين، وزار مشاريع صهيونية تعليميّة وزراعيّة وصناعيّة عدّة. وقد أبدى إعجابه بالتطوّر العلمي والتقني، لكنّه في الوقت نفسه عبّر عن مخاوفه من مخاطره على العرب. ومهّد ذلك اللقاء لاجتماع رسميّ بين الكتلة الوطنية والوكالة اليهودية في بلودان في آب 1936، ثمّ في دمشق في أيلول 1936، برئاسة شكري القوّتلي الذي رفض الادّعاء الصهيوني بوجود “حقّ تاريخي لليهود” في فلسطين. هذا الأمر جعله موضع استهداف من الوكالة الصهيونية، التي أوعزت لأحد عملائها تنفيذ محاولة لاغتياله. لكنّ بعض قادة الكتلة (نشر محارب أسماءهم) واصلوا التواصل مع الوكالة طمعاً بدعم يهوديّ لاستقلال سوريا أو لمكاسب سياسية وشخصيّة، متوهّمين أنّ لليهود نفوذاً عالميّاً يمكن توظيفه لمصلحتهم.

من جهتها، سعت الدائرة السياسيّة للوكالة اليهودية من خلال هؤلاء إلى التأثير في الرأي العامّ العربي، عبر التغلغل في الصحافة العربية من خلال شراء خمس صحف منها ونشر مقالات وأخبار كثيرة في الصحف اللبنانية والسورية خلال عامَي 1937 و1939. وهدفت من وراء ذلك إلى إبعاد الحركة الوطنية السورية عن الثورة العربية في فلسطين وكسب قادتها لمصلحة المشروع الصهيوني.  ونجحت إلى حدّ بعيد في قطع الطريق على دعم الشعب السوري للثورة بالرجال والسلاح، وإحداث شرخ بين الحركة الوطنية السورية والحركة الوطنية الفلسطينية، والمساعدة في تهجير الفلسطينيين إلى العراق وغيره، بهدف إقامة دولة يهودية في فلسطين. وعارضت الوكالة اليهودية استقلال سوريا، بل سعت إلى تمزيقها جغرافيّاً من خلال تحالفات طائفيّة. ولم تحقّق أيّ شيء من وعودها بتقديم المساعدات لدروز سوريا بإقامة إدارة ذاتيّة أو تخصيصهم بمساعدات اقتصاديّة وخبرات زراعيّة، لا بل كانت انعكاسات أفعالها كارثيّة على العرب في حرب 1948 لجهة حجم الاختراق الصهيوني لسوريا ونخبها وإعلامها.

أظهرت وثائق الأرشيف الإسرائيلي أنّ الوكالة اليهودية، عبر دائرتها السياسية وذراعها الاستخباريّة “القسم العربي”، أقامت شبكة من اللقاءات والاتّصالات مع شخصيّات سياسية وإعلاميّة سوريّة قبل حرب 1948
فعل نظام آل الأسد الأمر نفسه عندما فاوض إسرائيل لكنّه أيضاً لم يحصل على أيّ تنازل في المقابل. وعلى الرغم من رفضه التطبيع، لم تكفّ يوماً المعارضة السوريّة التي أطاحته أخيراً عن اتّهامه بالتخلّي عن الجولان وعدم فعل ما يلزم لاسترجاعه.

وهم القدرة على استغلال إسرائيل

تتكرّر التجربة نفسها اليوم، فكما لم تربح الكتلة الوطنية شيئاً من علاقتها بالوكالة اليهودية، تخاطر السلطة الجديدة في سوريا بالإسراع في التفاوض مع إسرائيل في محاولة لاتّقاء شرّها وتعزيز شرعيّة حكمها.

الخشية فعلاً أن يكون أوهاماً أنّ إسرائيل يمكن أن تتخلّى عن الجولان وجبل الشيخ، أو أنّ التودّد للخطة الإسرائيلية يُرضي الولايات المتّحدة ويجعل سوريا قبلة الاقتصاد الحديث والمركز الماليّ الجديد للشرق الأوسط.

ثمّة فارق كبير بين اتفاق أمني شبيه بالذي حصل بين الأسد الأب وإسرائيل في العام 1974 بهدف وقف الاعتداءات الإسرائيلية المكثّفة على الأراضي السوريّة، ورغبة السلطة الجديدة في دمشق في الحدّ من التدخّل الإسرائيلي في الشأن السوري، لكنّ العكس تماماً يحصل، إذ نجحت إسرائيل في فرض نفسها طرفاً وشريكاً في أزمة داخليّة سوريّة بحتة، إلى حدّ أنّ اتّفاق وقف النار في السويداء جرى ترتيبه بين سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية. وتتمسّك تل أبيب بتجريد جنوب سوريا من السلاح وفتح “ممرّ إنسانيّ” يصل مناطق سيطرتها بمحافظة السويداء. ولا تخشى الحكم الجديد في دمشق لافتقاره إلى قدرات تهدّد أمنها.

 

حازت إدارة الرئيس أحمد الشرع شرعيّةً شعبيةً بعد إسقاطها حكم الأسد، لكن نتنياهو لن يفوّت فرصة من أجل استغلال العثرات والاضطرابات التي تمرّ بها مع الأكراد أو الدروز والانفلات الأمنيّ من أجل تمرير مشاريعه الأمنيّة الخاصّة في سوريا والضغط عليها.

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram