من جديد حول قضية القاضية غادة عون وميشال مكتف، وحول الجريمة المالية التي أرتكبت بحق اللبنانيين، ولكي لا تختلط علينا الأمور في خضم التجاذب السياسي القضائي في قضية تخص المال العام والخاص وبعيدا عن الهستيريا والبروباغاندا والتجييش العاطفي والإستغلال السياسي والكلام الأعتباطي العشوائي الذي يصدر من الأطراف المتقابلة.
بالأساس موضوع الجريمة التي يجب ملاحقتها ليس تحويل اموال إلى الخارج، لأن عملية تحويل الأموال من لبنان إلى خارجه هي عملية قانونية يتيحها القانون لكل لبناني في حال كانت هذه الاموال موجودة في حساب مالي شرعي، وفي حال كان مصدر الاموال شرعيا ونظيفا، وفي حال جرى ذلك التحويل بطريقة شرعية قانونية عن طريق مؤسسة مصرفية مرخصة من قبل الدولة اللبنانية.
موضوع الجريمة التي يجب ملاحقتها من قبل القاضية غادة عون أو غيرها هو مصدر الأموال وطبيعتها، فيما إذا كانت أموال شرعية وفيما إذا كانت هذه الأموال ناتجة عن أعمال تجارية شرعية ونظيفة، وبالتالي غير ناتجة عن ما يسمى سرقة المال العام ونهب الخزينة العامة وسرقة اموال المودعين اللبنانيين الموجودة في المصارف اللبنانية.
الجريمة الأساسية التي يجب التحقيق فيها هي إختفاء 140 مليار دولار من حسابات المواطنين اللبنانيين المودعة في المصارف اللبنانية، وفق قانون النقد والتسليف وعلى أساس عامل الثقة بالنظام المصرفي اللبناني، وقد تم إقناع معظم المودعين بأن يستعيضوا عن أية إستثمارات تجارية أو صناعية أو مالية أو زراعية عبر إيداع أموالهم في المصارف عبر إغراءهم بفوائد مصرفية عالية تعود عليهم بالربح من دون عناء التكبد بالعمل.
الجريمة الأساسية التي على القاضية غادة عون أن تحقق فيها هي ما إرتكبته المصارف اللبنانية التي إستخدمت أموال المودعين اللبنانيين وأساءت إستعمال الأمانة، لشراء 70 مليار دولار سندات يورو بوند وسندات خزينة من مصرف لبنان وأقرضته 70 مليار دولار أخرى، أي مجموع 140 مليار دولار.
الجريمة الأساسية التي على القاضية غادة عون أن تحقق فيها هي ما فعله مصرف لبنان الذي فتح للسياسيين اللبنانيين أبواب ومزارب صرف، في مغارة علي بابا، ليبتدعوا فيها وعبرها إستعمال وسرقة الموجودات المالية في مصرف لبنان، التي لا تعود فعليا الدولة بل للمودعين، وذلك عبر آلاف الصفقات والسمسرات والنفقات الوهمية في مختلف قطاعات الدولة، إختارها السياسيون وأصدروا فيها جداول وقرارات صرف باهظة مكلفة، تم فيها نهب المال العام، لم يكلف مصرف لبنان موظفيه النظر في صدقيتها وجدواها ومصداقيتها وشفافيتها بسبب تواطئه وتورط حاكم المصرف بالذات مع المافيا السياسية اللبنانية الطائفية التحاصصية الفاسدة.
إن مرتكب الجريمة هم السياسيين اللبنانيين الطائفيين الفاسدين الذين وظفوا وإستغلوا مواقعهم وصلاحياتهم وثقة اللبنانيين بهم ليسرقوا المال العام المودع في مصرف لبنان ومن ضمنه أموال المودعين.
لذلك أنا دائما أتساءل لماذا الهجوم على المكتف وليس على مصرف لبنان الذي هو أصل البلى في هدر المال العام منذ أواءل التسعينيات. إن الأموال التي حولها المكتف للسياسيين إلى الخارج هي أموال حصل عليها السياسيون من المالية العامة عبر صفقات من دون مناقصات عن طريق وزارة المالية ومصرف لبنان. المكتف ليس إلا شاحن اموال لكنه ليس مصدر الأموال المهربة وليست وظيفته التحقق عن مصدر الأموال المطلوب تحويلها أو عن مدى شرعيتها ونظافتها. هذا لا يعني أنه قد لا يخبىء فسادا ما في عملياته المالية كما أنه لا يعني عدم التضامن مع القاضية غادة عون لأن كل لبناني عليه ان يتضامن ويشجع أي قاض يتجرأ على خلع باب من أبواب مغاراة الفساد والنهب في هذا البلد، لكن التضامن مع المحاولة شيء والتأييد الهستيري الأعمى شيء آخر وعلينا جميعا تفادي الحكم على النتائج مسبقا بأنتظار التحقيق النهائي.
إن سير العملية القضائية ينتهي بأنتهاء التحقيق، وعدم إستباق التحقيق بخلاصات وإستنتاجات مالية او سياسية أو جرمية، ولا يجوز الخلط بين العواطف والتضامن الأنساني من جهة وبين الموضوع القانوني السياسي الذي هو شيء آخر.
يبقى الموضوع الاساسي: إين هي الماية وأربعون مليار دولار التي سرقت من جيوب اللبنانيين وهذا موضوع برأيي لا علاقة له بما يجري حاليا إلا في حال أدى التحقيق الحالي إلى خلع جميع أبواب مغارة علي بابا اللبنانية والاربعين حرامي.
مروان سليم
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :