حكايات حفّار القبور الجبرانية، لا تشبه حكايات فصيح زمانه على اضرحة العمليات الاستشهادية وقبور شهداء القضية .
حكايات حفار القبور الجبرانية تخبرنا عن مظلومية العادات والتقاليد وعن جشع رجال الدين واستبداد السلطة ، أما حكايات فصيح زمانه فهي رسائل مشفّرة الى من يهمه الأمر عن سابق تصور وتصميم أو عن هبلنة وعدم تقدير .
قرأ فصيح زمانه مقالة واصل من سريع ، فأعجبته التفاصيل ، وأراد التفوّق عليه في الزحفطة والتسّلق والركض خلف اكتساب الألقاب وتفوق عليه في مهنة الاستزلام واستغلال المناسابات ، وكان آخرها اختيار منصة الأضرحة لإرسال الرسائل والإستفاضة في حديث المقابر، وتقمّص شخصية ليلى عبدو اللطيف وبشّر بخريف دموي .
لم يكن يعلم فصيح زمانه أنه سيكون فصيح الكلام على منابر الكذب والرياء في شوارع المدن وزواريب القرى ،ومجالس العائلات والعشائر ، لذلك أخذته الدهشة الى الطاووسية ، ولم تكن دهشته ردة فعل لمرة واحدة بل دخلت الى حنايا صدره فأصبحت رفيقته في كل المناسابت وأصبحت الدهشة الطاووسية رداءه في المناسبات الرسمية وغير الرسمية .
حكاية فصيح زمانه تشبه حكايات الأغنياء الجُدد، أولئك الذين نقلتهم تجارة الممنوعات من بيوت الطين والطوب الى قصور الحجر ومواقد الحطب المتصدرة صالون الضيافة ، وأولئك الذين نقلهم الذهب الاسود من حياة الخيمة الى القصر المنيف ونقلوا معهم الخراف والماعز وما تيسر من الجمال والحمير .
نفش طاووس الدهشة وثري الصدفة ريشه على الضريح ،وقرر أن يكون هنيبعل الثاني ويخوض غمار الفتوحات وتسلّق الجبال ، وبدأ يرسل رسائل التهديد لمن كانوا أولياء نعمته يوم كان لا يشبع إلا عندما يجلس على موائدهم ، هو يعرفهم ويعرف انه نسخة طبق الأصل عنهم ، تعلّم الرماية منهم بالمراقبة والملاحظة وما يسمى بسرقة الكار ، فصّح قول الشاعر فيه :
علّمته رمي السهام فلما اشتد ساعده رماني
لكنه لم يتعلم نظم القوافي من ولي نعمته السابق لأن ولي نعمته السابق لم يكن يجيد كتابة الشعر ولا نظم الكلام ، بل تعلمها من طاووسية الدهشة فلم تكن من أحاديثه الموفقة
وكم علّمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني
الى ماذا ترمي يا فصيح زمانك ، وهل تعلم أن ما ترمي اليه يرمي حجرأ في رأس الحركة ، وهل تعلم أن ما تقوله يضعك في خانة الحساب لو كان في هذه البلاد قضاء .
إن كنت تعلم فتلك مصيبة وإن كنت لا تعلم فالمصيبة أكبر ، وأعتقد أنك تعلم أنه للألقاب حُرمات وأنت تجرّأت على حُرمات الألقاب .
أنت لا تعلم أن مسؤولية الكلام أقوى وأفعل من مسؤولية الرتب والوظائف ،كيف إذا كان الكلام صادرا عن أعلى الرتب والوظائف .
أعتقد أنك فصيح زمانك بالتسّلق والزحفطة والتسلل لكنك لست فصيح الكلام ولا فصيح المعاني ، فقد وضعك القدر واستهتار أولياء نعمتك في موضع ما كنت تحلم به فطشت وطاش معك الكلام .
هذه العنترة على المقابر لا تجلب الى النهضة والأمة سوى الويل وما لا تحمد عقباه ولم يكن في الحسبان .
إذا كان ما نطقت به يا فصيح زمانك ناتج عن الخوف والفزع فدع الألقاب والوظائف الى أصحاب النفوس الكبيرة والأكتاف العريضة ، وإذا كان موقف تحد ومقدّمة لعراك منتظر ، فهذا ليس من وظيفتك ، لأن مسؤوليتك إطفاء الجمر قبل أن يصبح ألسنة من نار ، ووظيفتك تجبير اليد قبل أن تنكسر ، ولكن على ما يظهر أنك تفاصحت في الميدان ولم يمنعك أحد فظننت أنك قائد هُمام ونسيت إنك طاووس أدهشته الصدفة .
اعذرني إن قلت، أنه لا يوجد في ميدانك رجال ، لأنه لوكان في ميدانك رجال كنت سقطت من الدعسة الناقصة الأولى التي فضحتك .
حديثك ،وأنت لا تجيد الحديث بل تجيد فبركة الكلام ، يضعك أمام مسؤولية كبيرة لما سيجري في الأيام الآتية .
لا يجوز الحديث عن الدم باستهتار ، ومن على أضرحة الشهداء ، فهذا لعب في نار تحرق الاخضر اليابس و وتأكل كل نُطف الحياة .
يا فصيح زمانك ، أنك أصغر بكثير من الحصان الذي تمتطيه ، أعتقد أن الله خلقك لتركب حمير الرعيان في البوادي ، وشاء القدر أن تحاول امتطاء الحصان فسقطت مع أول تجربة سباق .
يا فصيح زمانك ، إخجل من فصاحة الدم وعد الى رشدك ، وكن في المكان الذي يليق بضحالة تفكيرك وسخافة أفكارك وهبلنة عقلك فتستريح من هم لست له وليس لك ، ولست من مقامه . عد الى رشدك قبل أن تسقط في حُفرة حفرتها أظافرك ، حديث المقابر يا فصيح زمانك يقود أصحابه الى حفر القبور ، وكي لا تكون من حفّارالقبور ، غادر الى حيث يجب أن تكون .
يا فصيح زمانك .
فصاحة المواقف ليست من اختصاصك وليست من شيمك ، فوجهك الاصفر نذير شؤم ، ونظرات عينيك فيها إشارات لصلصة ، وصمتك حين يتكلم الكبار فيه خبث ومشروع وشوشة .
يا فصيح زمانك وأنت تقف بالقرب من أضرحة الشهداء تذكّر حفّار القبور الجبراني ربما تصحو من سكرة الدهشة .
سعاده بدران الشامي
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :