ليست كل الطرق توصل سعد الحريري الى السعودية، التي يسلكها، وهو يعرف كيف يصل اليها، هذا هو موقف المملكة من زيارة الرئىس المكلف تشكيل الحكومة اليها، وهي التي اقفلت ابوابها امامه، كما غيره من مسؤولين وسياسيين في لبنان، لانها لا تفكر ابداً، اقله في المرحلة الراهنة، في التعاطي والتواصل مع غالبية الطبقة السياسية، التي ترفضها الاكثرية الشعبية، وتحملها مسؤولية ما آل اليه لبنان من انهيار، بسبب الفساد الذي هدم الدولة، وافقر الشعب.
ومنذ مدة بعيدة لم تستقبل الرياض، قيادات لبنانية، لا سيما من حلفائها، الذين تحملهم اكثر من غيرهم التدهور الذي وصل اليه لبنان، وتركه للنفوذ الايراني، عبر القوة التي امتلكها «حزب الله» بسلاحه، ثم بسيطرته على القرار اللبناني، وفق ما ينقل مطلعون على موقف القيادة السعودية، التي اعطت فترة سماح للرئىس الحريري، كي يثبت عن جدارة في الحكم، لكنه لم يكن اهلاً للثقة التي بددها وريث «الحريرية السياسية»، بالتنازلات التي قدمها، امام «حزب الله» وحلفائه، ولم يفهم الرسالة التي تبلغها، عندما قدم استقالته من الرياض في 4 تشرين الثاني 2018، اذ هو بالتسوية الرئاسية، لكن «حزب الله» ومعه المحور الذي ينتمي اليه، من ان يوصل مرشحه العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، ثم بقانون الانتخاب الجديد، اعطى الاكثرية النيابية للحزب وحلفائه ايضاً، مما افسح المجال له، بان يتحكم بالحكومة، فيأتي بالشخص الذي يريده رئيسا لها، وهكذا يكون اداء الحريري على مدى السنوات الخمس الاخيرة، قد عزز نفوذ ايران في لبنان، وهو ما زال على النهج نفسه، يقول المسؤولون في المملكة المعنيون في ملف لبنان، الذين قرروا الابتعاد عنه، في مرحلة ترقب ومتابعة، لما ستؤول اليه الاوضاع في المنطقة، من خلال اعادة اميركا للاتفاق النووي مع ايران اضافة الى العلاقات السعودية ـ الاميركية، التي فتحتها الادارة الاميركية الجديدة برئاسة جو بايدن، من باب اغتيال الصحافي السعودي جمال الخاشقجي، في السفارة السعودية في تركيا، وكيف سيتم التعاطي معه ولا تتخوف منه المملكة، لانها تملك اوراقاً ايضاً تفاوض بها واشنطن.
لذلك فان لبنان ليس اولوية سعودية، وان كانت المملكة لا تغض النظر عنه، لكن لديها وجهة نظرها عبّرت عنها، لا سيما في خطاب الملك سلمان بن عبد العزيز امام الامم المتحدة، بان لا مكان «لحزب الله» في الحكومة، لانه يتحمل المسؤولية عن تدهور الاوضاع في لبنان، وهذا ما يفرمل تشكيل الحكومة، التي لا يمكن للحريري ان يضم اليها «حزب الله».
من هنا فان الحريري مرتبك تحت اي سقف سيشكل حكومته، تحت مبادرة الرئىس الفرنسي مانويل ماكرون، الذي التقى وفداً من «حزب الله» ولم يدعو الى اقصائه، ام خطاب الملك سلمان، الذي رفض وجود حزب الله في الحكومة، فاعلن الحريري انه بمبادرة ماكرون، الذي برأيه تنقذه من ضم حزبين اليها، بما فيها حزب الله، فيكون أرضى المملكة، لكن المصادر تكشف بان المسؤولين السعوديين لن يلدغوا من الجحر مرتين واكثر، فغضوا النظر عن «ربط النزاع» مع «حزب الله» الذي اعلن عنه الحريري، للحفاظ على الاستقرار في لبنان، ثم عن التسوية الرئاسية، لعدم استمرار الفراغ في رئاسة الجمهورية لعامين ونصف العام، وانتظام عمل المؤسسات، كما قبلوا مساعدة لبنان بهبات ومكرمات كي لا يحصل ما حصل من تدهور في سعر صرف الليرة، لكن لم يتم تصحيح الوضع الداخلي في لبنان الذي اختل التوازن السياسي فيه لصالح «حزب الله» وحلفائه، كما تقول المصادر، التي تشير الى ان السعودية لم تستقبل الحريري، قبل ان تحصل على اجوبة لاسئلة معلومة.
والوسطاء الذين تدخلوا لفتح ابواب الرياض، امام الرئىس المكلف، لمناقشة الوضع اللبناني مع المسؤولين فيها، وتحديداً ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، الذي ما زالت العلاقة بينه وبين الحريري على خير ما يرام، لان الوعود التي قطعها له وتعهد بتنفيذها، ومنها اضعاف وجود حزب الله في السلطة، لم يطبقها، لا بل هو يزداد ضغطاً امامه، تقول المصادر التي تشير الى ان من يدعم وجود الحريري في رئاسة الحكومة هو «الثنائي الشيعي»، اي حركة «امل» و«حزب الله»، وهذا ما يكبله امامهما فعندما يتحرر منهما يعود الحديث عنه ومعه، لان المسألة لا تتعلق فقط بنفوذ «حزب الله» في لبنان، وتأثيره على القرار السياسي فيه، بل هو على حدود السعودية، يدعم الحوثيين، ويهاجم الحكم في المملكة، التي لا يمكن ان تسكت عن هذا الموضوع.
ولبنان سيبقى على قارعة الطريق، وفي محطة انتظار اقلاع قطار التسوية في المنطقة، التي ليست واحدة، بل لمشاريع عدة، اميركية وروسية واوروبية واسرائىلية، ووحده المشروع العربي غائباً.
كمال ذبيان
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :