قصص الراقصات والسياسيين… عن العوالم والغوازي وعاريات الصدور في القصور

قصص الراقصات والسياسيين… عن العوالم والغوازي وعاريات الصدور في القصور

 

Telegram

 

 

حين يصف سعيد رقص تحية كاريوكا في مقال شهير يجد أنه إثارة بالغة الخصوصية، بل يقول بأن كاريوكا حين ترقص كانت تقدم للمشاهدين تجربة إيروسيّة هائلة الإثارة، نظراً لإرجائها الذي لا ينتهي، تجربة ما كان لنا أن نحلم بأن نصادف مثلها أبداً في حياتنا الواقعيّة. وتلك على وجه الدقّة هي النقطة المُهمّة: فقد كان ذلك ضرباً من الجنس بوصفه حدثاً عامّاً، مُخطّطاً ومُنفّذاً ببراعة، لكنه مستعصٍ تماماً على الاكتمال أو التحقّق. 

يمكننا الزعم أن كل رقصة امرأة تقريباً هي جنسية بطريقة ما، خاصة في الرقص الفردي أمام مجموعة؛ إذ تبدو كمغازلة من خلال إظهار البراعة الجسدية. ومثل كل الأشياء الجنسية، هناك الشهوانية، والحميمية، والإثارة الجنسية، وربما أيضاً الاستغلال أو حتى الابتذال. يعتمد الأمر حقاً على كيفية إدراك الناس لها. المشكلة ليست في الرقص بحد ذاته بل كيفية النظر إلى امرأة مثيرة، وهو أمر يختلف من ثقافة لأخرى ومن شخص لآخر. 

تحية كاريوكا

تحية كاريوكا

عن الغوازي والعوالم

يبقى التفريق بين المثير المغري كفعل يخرج نتيجة اعتمال حقيقي بين العقل والجسد، وبين الابتذال الذي يوصف كحركات خارجية يقصد بها الإثارة المباشرة الفجة.

فبالعودة لمقال إدوارد سعيد حين يصف رقص تحية كريوكا باعتباره النموذج الأيقوني والأكثر نقاءً لأي راقصة شرقية، يقول: "جمال رقصها يكمن في تكامله: في ما تُخلّفه من شعورٍ بجسدٍ مُذهل في لدانته وحُسنه". فهي لا تنطنط ولا تهزهز نهديها، وأبعد ما تكون عن الحركات البهلوانية أو التزلق على الأرض واستخدام العري كما تفعل الراقصات البائسات بغية ما سماه "إثارة وإغراءً حريميّاً"، بل هدفها إحداث أثر عن طريق إيحاء عبر جملة من الحركات المترابطة والمتكاملة.

الخط الفاصل بين الإغراء والابتذال الذي رسمه بإتقان سعيد؛ بين الراقصة المحترفة، وبين من لم يجد حرجاً في وضعهن في مرتبة لا تعلو بأكثر من درجة على مرتبة العاهرات. كان موجوداً بل ومحدداً بالاسم بين العوالم والغوازي.

فالعالمة هي الراقصة المتعلمة فنون الرقص، التي تستطيع أن تؤلف أغاني وحركات، ولديها علم كبير بالموسيقى وأداء صوتي جيد. أما الغوازي، فهو اسم أُطلق أولاً على الغجريات، حين غزا الغجر الشرق الأوسط في طريقهم إلى أوروبا، حينها غزا الغجر أيضاً العادات التقليدية المحافظة، وظهرت راقصات الشوارع اللواتي يرقصن جماعات، وانتقلت هذه العادة لبعض بنات البلد، أي راقصات الطبقات المهمشة. ويوجد صنف ثالث استحدثه العثمانيون؛ وهو رقص الجواري، وهو رقص أكثر إباحية، إذ لطالما أُجبرن على الرقص عاريات الصدر. هذا النوع تحديداً وإن بقي حبيس القصور، فاحت رائحته الماجنة خارج القصور.

بعد التعامل غير الودي من جنود نابليون مع الغوازي، جاءت الضربة الثانية غير المقصودة مع مجزرة القلعة 1811 التي نفذها محمد علي بحق المماليك. حينها سُحقت طبقة اجتماعية كاملة من الأمراء والملاك وقُضي عليها. وهكذا فرت العوالم "راقصات الطبقة العليا" إلى الشارع واختلطن بالغوازي، مما أدى إلى دمج أسلوبَي الرقص (رقص القصور، ورقص الشوارع). وحتماً كانت الغلبة لصاحبات الأرض، أي الغوازي. الأمر زاد سوءاً أيضاً مع محمد علي باشا في 1834 حيث كما ذكرنا منع الرقص الشرقي ثم نفى الراقصات إلى الصعيد، مما دمر سمعة الرقص وكرسه كرقص الغوازي حصراً.  

سامية جمال

شوق... التي أعادت أمجاد الرقص 

لكن الرقص الشرقي مدهش بجماله، وأيضاً مدهش بقدرته على التكيف والعودة للحياة. فعاد من منتصف القرن التاسع عشر ومع ظهور طبقة أرستقراطية جديدة، وأيضاً طبقة وسطى متعلمة، ومع أبناء وأحفاد محمد علي باشا الأكثر انفتاحاً من جدهم. عاد الرقص الشرقي بشكله الاحترافي، وفي العام 1871 ظهرت (شوق) كأول راقصة استطاعت أن تجعل لنفسها مكانة محترمة بين العائلات الكبيرة، وكانت الراقصة الوحيدة التي يُسمح لها بأن ترقص في الحفلات التي يقيمها الخديوي.

ولما افتتحت قناة السويس، رقصت شوق في حفلة تكريم الإمبراطورة (أوجيني) زوجة نابليون الثالث، التي جاءت لحضور حفلة افتتاح قناة السويس. يمكن القول إن شوق كانت أول راقصة عالمة بعد انقطاع طويل. ثم جاءت تلميذاتها، مثل شفيقة القبطية، أشهر راقصة في عصرها. وقد أصرت شفيقة على استخدام لقب يشير صراحة أنها مسيحية للإشارة إلى أنها ما تزال متدينة ولم تنحرف عن استقامتها.

وهكذا عاد زمن العوالم من جديد، معلناً عصراً ذهبياً كانت قمته مع صالون اللبنانية السورية بديعة مصابني، مع أشهر تلميذاتها تحية كاريوكا وسامية جمال وحورية محمد. وقتها تطور وتنوع الرقص الشرقي، إذ مزجته بديعة ومن معها بروح العصر، وتوسعت دائرة الرقص فجعلت المسرح كاملاً مسرحاً للراقصة، ثم مزجته مع الباليه الكلاسيكي الغربي. 

"الرخص" و"الأسلمة" 

يبدو أن الرقص الشرقي لم يحب الكاميرا كثيراً، رغم فوائد الانتشار الجماهيري، لكن كثيراً ما أُقحمت الرقصات بأسلوب سوقي رخيص، وهو أمر يمكن تبينه الآن من "أفيشات" تلك الأفلام.

فبعيد وصول العسكر للحكم بدأت انحدار شبيهة بما حدث في بدايات القرن التاسع عشر؛ وقتها تداخلت الفئات الاجتماعية والاقتصادية مع بعضها، وظهر "محدثو النعمة" الذين لا يرون في الرقص الشرقي إلا رقص الغوازي، وأيضاً طبقة أخرى من العائدين من دول النفط مدمغين بثقافتها السلفية. ولا ننسى الأحداث السياسية الكبرى كهزيمة 67، التي فُسرت كنتيجة لفساد المجتمع والابتعاد عن الدين، وليس بسبب سياسات السلطة الحاكمة.

ثم كانت الصحوة الدينية من أواخر السبعينات، ثم موجة الحجاب والتوبة للفنانات. وهذه كلها عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية أثرت سلباً على الرقص الشرقي، كما أثرت لاحقاً على باقي الفنون. لكن الطبيعة القلقة للرقص جعلته أكثر من غيره عرضة للتجريح والتشويه. 

نجوى فؤاد

نجوى فؤاد

الغرب المبهور بالخصر المائل

لم تبدأ علاقة الغرب المضطربة مع الرقص الشرقي مع حملة نابليون على مصر 1798، وإن كانت نقطة وعلامة هامة جداً، بل سبقتها نظرة سلبية لقرون، أولها قصة سلومي الراقصة التي تسببت بقطع رأس يوحنا المعمدان المذكورة في الكتاب المقدس، والثانية كتاب "ألف ليلة وليلة"، الذي اعتُبر بعد ترجمته في القرن الثامن عشر أول نافذة وصفت الشرق في المخيلة الغربية. 

يبدو أن الرقص الشرقي لم يحب الكاميرا، فكثيراً ما أُقحمت الرقصات بأسلوب سوقي رخيص في الأفلام. وبُعيد وصول العسكر للحكم تداخلت الفئات الاجتماعية والاقتصادية مع بعضها، وظهر "محدثو النعمة" الذين لا يرون في الرقص الشرقي إلا رقص الغوازي، وأيضاً طبقة أخرى من العائدين من دول النفط المدمغين بالثقافة السلفية 

لا يخلو "ألف ليلة وليلة" من إباحية وخيالات جنسية وقصص ماجنة تصف الجواري والراقصات؛ لم يألفها الغرب المحافظ وقتها. إضافة إلى الأساطير وروايات الرحالة والمستشرقين التي أعطت الشرق شكلاً مبهماً بين قمع النساء حبيسات المنازل، وسفور الراقصات والغواني اللواتي كن تقريباً النساء الوحيدات اللواتي على تماس بالغريب، واللواتي تعامل معهن الرحالة والمستشرقين وسجل من خلالهن ملاحظاته عن نساء الشرق. ما دعم الأمر قناعة ثبت بطلانها، أن الرقص الشرقي بدأ مع بداية عصر الحريم والجواري اللواتي كن يرقصن نصف عراة.

استمرت هذه الذهنية إلى ما بعد منتصف القرن العشرين، حيث عُومل الرقص الشرقي في الغرب كنوع من رقص التعري. يمكن ملاحظة الأمر في كلاسيكيات السينما الغربية؛ التي طالما أظهرت فتاة تلبس بدلة الرقص الشرقي ثم تتعرى تماماً، كراقصة "ستربتيس" لكن بروح وملامح شرقية. لكن العقود الأخيرة سجلت تحسناً واضحاً، فبدأت معاهد الرقص ومهرجانات الكبيرة خاصة بالرقص، وظهرت راقصات جدد وحتى فرق رقص من الواضح أنهن يتمتعن بقدر واضح من الاحترام الجماهيري.

الواضح أن الرقص الشرقي سبق باقي الفنون كمرآة للمجتمع، فقد كان حاضراً ومتفاعلاً حين كان للمجتمع طبقتان لا تختلطان، وحين امتزجتا اختلط هو فوراً، واضطر لأخذ شكل الخليط الكريه. ثم مع تحسن الظروف الاجتماعية والسياسية انطلق من جديد. وهكذا في المجتمعات المتخلفة يتقهقر ليصبح ستاراً للدعارة، وفي المجتمعات المتنورة يرتقي لرياضة روحية.

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

 

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram