الحليف الروسي
لم يكن الاتحاد السوفييتي حليفاً لنا او لاي دولة من دولنا في مسألة فلسطين . انه اوّل من اعترف بدولة " اسرائيل" بالامم المتحدة، و كان دائماً على علاقة طبيعية معها . لكنه كان قطباً بأيديولوجية ضد العالم الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة و كانت مجموعة كبيرة من دول العالم تتبنّى الفكر الاشتراكي و هي بصداقة او بتحالف مع الاتحاد السوفييتي و من هذه الدول مصر و سورية و العراق . تمكنت هذه الدول من الحصول على السلاح من الاتحاد ، و اتفقت سورية معه على اقامة قاعدة عسكرية بحرية بطرطوس . من الطبيعي ان يبحث الاتحاد السوفييتي عن مصالحه باقامة علاقات تجارية و سياسية مع الدول ، و قام بدعم المنظمات و الحركات التي تحمل ايديولوجية اشتراكية او تخاصم الولايات المتحدة في عالم بقطبين وقعت بينهم حروب غير مباشرة في انحاء كثيرة من العالم : كوريا و كوبا و فييتنام و نيكاراغوا و "اسرائيل" ربيبة بريطانيا و الولايات المتحدة وريثة بريطانيا فاذا بها تتبنّى الدعم الكلي "لاسرائيل" اسلحة متطورة جداً مجانية و بمليارات الدولارات و مال بكميات كبيرة و دعم سياسي دولي في كل المحافل و المؤسسات ، بالمقابل قدّم الاتحاد السوفييتي السلاح الى منظمة التحرير بينما اشترت دولنا منه ذلك .
انهيار الاتحاد السوفييتي مفصل اساسي بالتاريخ ، انهار حلف وارسو و خرجت دوله من عبائة موسكو . بعضها التحق بالاطلسي فاذا به يزرع الصواريخ على ارض بولندا مهددا روسيا ، و من مانع سقط (رومانيا) او تفكك ( يوغوسلافيا) . حتى جمهوريات الاتحاد السوفييتي نفسه اصبحت دولاً مستقلة و بعضها اقترب من الولايات المتحدة و تعاون معها فوصل بالاخيرة ان استطاعت قلب النظام بجورجيا و اوكرانيا ضد روسيا ما يشكل خطرا كبيراً عليها فتدخلّت روسيا فيهما عسكريا . صحيح ان روسيا ورثت سلاح الاتحاد السوفييتي و قوّته النووية لكنها لم ترث نفوذه و دوره فتحوّلت الى دولة عادية على الساحة الدولية بل حاصرتها الولايات االمتحدة من حديقتها لخلفية . مع يلتسين كادت روسيا ان تفقد شخصيتها و اصبح النموذج الغربي في داخلها هو السائد لكن مع وصول بوتين اعاد بعض الهيبة الى الدولة خاصة بعد التدخل بأوكرانيا و جورجيا . اثناء التحضير لاحتلال العراق بحجّة سلاح الدمار الشامل وقفت روسيا ضد ذلك بمجلس الامن لكن الولايات المتحدة تصرّفت من خارج تغطية الامم المتحدة ، تقود تحالفاً دولياً كانت الغطرسة الاميركية باعلى مستوياتها و كانت روسيا دولة عاجزة عن المنع او الرد علماً ان العراق كان حليفا لها و عقد معها اتفاقية و بذلك خسرت روسيا حليفا . لم تكن روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي دولة معادية لاميركا لكن الاخيرة كانت تقصد تحجيم روسيا الى ابعد حد حتى لا تتمكن من العودة الى الساحة الدولية كقطب ينافسها السيطرة و بذلك تتفرّد هي بالسيطرة على الساحة الدوليّة و تفرض مشيئتها .
كانت سورية على علاقة جيّدة مع الاتحاد السوفييتي و تستورد السلاح منه و استمرت على علاقة جيدة مع روسيا و استمرّت بالاعتماد عليها في تسليح الجيش السوري كما ان قاعدة طرطوس البحرية بقيت مع روسيا ( القاعدة الوحيدة لروسيا في ابحر الابيض المتوسط ) . تشكّل سورة حليفا جيّداً لروسيا .
مع بدء الحرب على سورية و من ثم توسّعها لم تحرك روسيا ساكنا ، طبعاً كانت تؤيد الدولة ضد الارهابيين و تقف على المقلب الآخر من الغرب الذي اراد اسقاط النظام و واجهت لولايات المتحدة في مجلس الامن و استخدمت حق النقض "فيتو" دون ان تتدخل عسكرياً ، كان واضحاً ان هذه الحرب تقودها اميركا و تنفّذها الدول العربية التابعة لها بالاضافة الى تركيا و تساندها الدول الاوروبية الغربية و ادوات الحرب هي التنظيمات الارهابية بمسميّات عديدة . دفع المليارات من اموال النفط و سخّر كل بوق رخيص في الاعلام العربي المأجور و اعّد الكثير من الخطط و انتظروا جميعاً سقوط "النظام" ، بعد مرور اكثر من ثلاث سنوات تبيّن لروسيا قدرة حليفها على الصمود . و تفانى الحلفاء بالوقوف الى جانبه ( ايران ، ح ز ب الله ، بعض التنظيمات العراقية ) نجحت ايران باقناع روسيا بالتدخل ، امكانية النجاح متوفرة فتمّ ذلك في ايلول 2015 . طائرات السوخوي تدك مواقع الارهابيين و احياناً الصواريخ البعيدة المدى تؤمّن للجيش السوري امكانية التقدم و بسط السيطرة على المواقع التي كان الارهابيون يسيطرون عليها . و هكذا انقلب المشهد فاذا بحلب تتحرّر مع الارياف الجنوبية و الشرقية ثم حمص و ثم الجنوب و محيط العاصمة و الدولة تستعيد السيطرة على قسم كبير من جغرافيتها ، التنظيمات الارهابية تتهاوى و تتقهقر و الحسابات الاميركية و اذنابهم تتبدّد . لم تكن اميركا لتقبل هزيمة مشروعها بسهولة و ليس في حسابها اي مواجهة مع روسيا و هي اصلاً قامت بحرب على سوريا بطريقة غير مباشرة لذلك بدأت تبحث عن عراقيل فاخترعت موضوع استخدام السلاح الكميائي عدّة مرّات ، اهمها في خان العسل حيث قررت معاقبة سورية انما تم تدارك ذلم عبر دور لعبته روسيا . خلال ذلك تدّخل العدو مرّات عديدة اما بتقديم العون مباشرة للارهابيين او عبر قصف مواقع للجيش السوري و طبعاً قدمّت تركيا كل الامدادات للارهابيين في حلب و اريافها لدعمهم وصولاً الى تدخّل تركي مباشر . استعملت اميركا ورقة "قسد" للآخر معرّضةً علاقتها مع تركيا للخطر و اخيراً كان لا بد من التواجد على الارض السورية و هذا ما حصل في مناطق سيطرة الاكراد "قسد" .
التدخل الروسي بالميزان :
لاشك ان التدخل المباشر لروسيا في الحرب على سورية رجّح كفّة الجيش السوري و حلفائه و ساعد في دحر الارهابيين و لا شك ايضاً انه ساعد بالقضاء على المشروع الصهيوني الاميركي باسقاط النظام بالشام . على المقلب الآخر ان صمود الجيش السوري و صمود الدولة في وجه هذه الحرب العاتية قبل التدخل الروسي اعطى لروسيا حافزاً قوياً بانها قادرة على الدفاع عن مصالحها ببقاء حليفاً لها في الشرق الاوسط و بقاء قاعدة بحرية لها على المتوسط . ان دخول روسيا الى جانب سورية في الحرب اعطى للاولى دوراً دولياً و قدرة مواجهة للقطب الواحد عالمياً و تمهيداً لخلق عالم بعدة اقطاب ، التدخل الروسي كان مصلحة قويّة لسورية بقدر ما كان مصلحة قوية لروسيا .
روسيا تبحث عن مصالحها لذلك تعاملت مع الاحتلال الاميركي بحذر ، حرضّت اميركا "قسد" ضد الدولة السورية ثم تواجدت على الارض في مناطق سيطرة "قسد" و جعلتها تتوّسع بالرقة و دير الزور محاولةً قدر الامكان عدم عودة الدولة الى التعافي تماماً ، لم يقع اي اشتباك بين القوتين العظيمتين و تعاملوا مع بعضهم كأخصام بتوافق و تنافس ضمن حدود عدم التورّط بالاشتباك ، تحاول اميركا الحفاظ على ما تبقّى من مشروعها و تحاول روسيا عودة الدولة الى العافية قدر الامكان و هذا سبب بقاء الامور على حالها لفترة زمنية طويلة .
روسيا و دولة العدو :
ترتبط روسيا مع "اسرائيل" بعلاقات قويّة و متينة ، و يوجد داخل روسيا لوبي يهودي قوي له تأثيراً كبيراً لصالح " اسرائيل" ، كان الدور الروسي واضحاً انه داعم للدولة السورية ضد الارهاب لكنه محايداً في الصراع مع العدو ، كانت سفقة ال S300 في طريقها الى التنفيذ فعطّلها لقاء بين نتياهو و بوتين بينما تبيع روسيا تركيا S400 لان الاخيرة لا تعادي " اسرائيل" .
تقوم "اسرائيل" بقصف مواقع الجيش السوري باستمرار و ما زالت دون اي رد روسي حتى بالاعتراض . يجب ان ندرك ان هذا هو حجم الدور الروسي و لا نتوقع المزيد و اننا في حربنا مع العدو يجب ان نعتمد على قوّتنا و قدراتنا .
عميد الاذاعة
الامين مأمون ملاعب
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :