الدور التركي ...
لا شك أنّ دراسة الدور التركي الحالي في سورية صعب كون هذا الدور معقد وغني جداً بالتناقضات والتقلبات وعدم الوضوح لكنه أساسي جداً بأحداث أمتنا ولا بدً من تقييمه من وجهة نظرنا .
الأتراك السلاجقة حديثي العهد بالأناضول (المقارنة مع شعوب المنطقة المتوغل بالتاريخ) إذ يعود وجودهم إلى 1017 قادمين من وسط آسيا .
وجد العثمانيون قبائل الأتراك وأقاموا دولتهم التي امتدت إلى البلقان ودخلوا سورية عام 1516 ومنذ ذلك الزمن وسورية ضمن دولة الخلافة العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى آواخر 1918 . مع نهاية الحرب إنهارت الخلافة استلم الحكم حركة قومية تركية ذات طابع علماني إلى حد معاداة الإسلام . هذه الحركة كانت تبحث ليس فقط عن تموضع لتركيا بل عن هوية إرتكزت إلى العرق أو الأثنية التركية وقامت بردة فعل على الخلافة العثمانية الإسلامية وعلى العرب تترجم ذلك بتغيير الحرف باللغة التركية لتكتب بالحرف اللاتيني وترجم القرآن وأصبح الآذان في الجوامع باللغة التركية للمرة الأولى بالتاريخ وحاولت الإلتحاق بأوروبا لا إقتصادياً فقط بل إجتماعياً وسياسياً . مع بداية قيام هذه الدولة الحديثة بقيادة أتاتورك كانت أطماعها بسورية واضحة جداً فطالب أن تكون ولاية حلب جزء من الدولة (أي حلب وأدلب وكل الأقاليم الشمالية) .
كان قد سبق ذلك أن إرتكبت تركيا واحدة من أكبر المجازر بالتاريخ حين دخل جيشها إلى الشمال السوري خلال الحرب وقتل أكثر من مليون و نصف سوري من الطوائف السسريانية والآشورية والأرمنية وهجّرت مئات الالوف بما يعرف بمجازر الأرمن .
كانت معاهدة أنقرة 1921 قد أعطت تركيا الأقاليم السورية الشمالية كيليكيا والجزيرة العليا مقابل اعتراف تركيا بانتداب فرنسا على سورية . كانت فرنسا تخطط لتقسيم سورية بالإتفاق مع بريطانيا من أجل مشروعهم (وعد بلفور) وكانت تركيا صاحبة أطماع بسورية لذلك تخلّت فرنسا عن أراض ليست لها من أجل مصالحها ومشاريعها وكررت ذلك عام 1939 حين أعطت تركيا لواء الاسكندرون مقابل أن تلتزم تركيا الحياد في الحرب العالمية الثانية . انضمت تركيا إلى الحلف الأطلسي وأصبحت حليفة لأميركا التي أقامت قاعدة عسكرية فيها "انجرليك" واعترفت بدولة "اسرائيل" وأقامت معها أفضل العلاقات، حاولت جاهدة الانضمام للإتحاد الأوروبي الذي منع ذلك . انتقل الحكم إلى إسلاميين ومرّ بفترة لا استقرار وتقلّب وصولاً إلى أردوغان الذي وطد أركان حكمه بعد أن قلّم أظافر القوى العلمانية من الجيش ركيزتهم الأولى . لكن وحتى مع هذا "التغيير الجذري" بالحكم فأن مجموعة ثوابت فرضت نفسها :
- بقيت تركيا في الحلف الأطلسي .
- بقيت على علاقة جيدة مع العدو .
- بقيت تناصب سورية والعراق العداء (حتى ولو مرّ فترة قصيرة مختلفة) . وأقامت السدود على الفرات ودجلة لتحرم السوريين من المياه حتى بخلاف القانون الدولي .
- بقيت خارج الإتحاد الأوروبي، تركيا المبعدة أوروبياً تحتاج إلى إقتصاد مشرقي وأقامت علاقات تجارية كبيرة مع إيران ومع روسيا ولفترة مع سورية (على حساب سورية في خطة إقتصادية مشرقية دمرها أردوغان) . الخلاف السوري العراقي صبّ في مصلحة تركيا، حيث أقيم خط نفط من منابعه في العراق إلى السواحل التركية ليباع النفط العراقي منها .
مع بداية الأحداث في الجمهورية السورية أخذت تركيا موقفاً سلبياً من النظام السوري، مناقد كلياً لكل التفاهمات السائدة بينهما قبل ذلك وبان وبوضوح دور تركي بالمؤامرة على الشام بخبث وخداع ونجاسة، تسويق الإسلام المعتدل هو وسيلة تستعمل أيديولوجية للتدخل بشؤون الآخرين تماماً كما تسوّق دول الاستعمار الكلام عن الديموقراطية وحقوق الانسان . تلاقت الأطماع التركية مع مخططات الصهيونية العالمية (إسرائيل وأميركا) في تفتيت الجمهورية العربية السورية، أن إزالة نظام قوي متمسّك بالثوابت الوطنية ولا يقبل التفريط فيها يسمح للصهاينة من جهة بكسر محور المقاومة من قلبه ويسمح لتركيا باحتلال الشمال السوري وبالأخص حلب . اتخذت تركيا موقفاً معادياً من سورية كدولة وليس فقط للنظام .
صرّح أردوغان علناً عن أطماعه بحلب، بعد ذلك تحوّلت البوابة التركية إلى ممر الإرهابيين من القوقاز ودول الإتحاد السوفييتي السابق ومن أوروبا . كانت تركيا رأس الحربة في مشروع المؤامرة وهي العامل الأساسي في سقوط إدلب والرقة وشمال حلب بيد الإرهابيين . بسبب التدخل التركي نتج مجموعة من العقد :
العقدة مع روسيا : ترتبط تركيا مع روسيا بعلاقات تجارية ضخمة وحركة سياحية روسية كبيرة جداً مع تركيا، ليس من صالح أحد من البلدين العداء بل العكس فهما متفقتان على استمرار أفضل العلاقات، إنما وبداية التدخل الروسي المباشر في الحرب وقيام الطائرات الروسية والصواريخ حتى البعيدة المدى بدك مواقع الارهابيين وتأمين شروط تقدم الجيش السوري، قامت تركيا بخطوة جريئة جداً دلّت على حماقة، استهدفت طائرة حربية روسية بصاروخ فاسقطتها، قد يكون جس نبض، هل ترد روسيا على دولة أطلسية ؟ هل يتدخل حلف الأطلسي ؟ هل يمكن أن تنكفئ روسيا لتلعب تركيا دوراً أكبر ؟ خلاصة الموضوع أن من تراجع هو تركيا التي أجبرت على الإعتذار على لسان رئيسها وتراجع دورها ( مؤقتاً ) لصالح روسيا .
ليس في حسابات الحلف الأطلسي حرباً كبيرة ولم يقبل أن تجرّه تركيا إلى مكان لا يريده .
الخطة الأميركية هي إسقاط النظام عن طريق الارهابيين وليس الحرب مع روسيا . نتيجة ذلك انقلب الأمر لصالح روسيا حين عقدت تركيا معها صفقة صواريخ S 400 مما أثار حفيظة أميركا والحلف الأطلسي .
العقدة الكريدية : الأكراد هم عرق أو إثنية تتكلّم اللغة الكردية (ليست لغة واحدة بل عدة لهجات قريبة إلى الفارسية) وتتوزع جغرافياً حسب التقسيمات الحالية على أربع دول : تركيا، العراق، إيران وسورية .
النسبة الكبيرة من الأكراد يعيشون في تركيا والأكراد لا يعتبرون أنفسهم أتراكاً بل بعتبرون انفسهم قوميّة ويطالبون بدولتهم,د، والاتراك بعد أتاتورك يعاملون الأكراد على أنهم ليسوا أتراكا ولم تتغيّر العلاقة بين الأتراك والأكراد بوصول الإسلاميين إلى السلطة . الأكراد السوريون حلفاء الأكراد في تركيا وعلى عداء مع تركيا، هذا الأمر وضع الأكراد في خانة العداء للتنظيمات الإرهابية المدعومة تركياً (أي إلى جانب الدولة السورية) وقاتلا تلك التنظيمات في عفرين والحسكة .
المشروع الأميركي يتضمن إقامة دولة كردية وهذا ما لا تقبل به تركيا لما يشكل خطراً عليها . ناورت أميركا في البداية وتلاعبت بالأتراك والأكراد ولكنها في النهاية ملزمة باحتضان الأكراد لعدّة أسباب :
أولاً : الدولة الكردية او الفيديرالية .
ثانياً : منابع النفط تحت السيطرة الكردية .
ثالثاً : العلاقة الأميركية الكردية في العراق والتي نجم عنها نفوذاً أميركياً هناك .
العقدة الاميركية : الولايات المتحدة تريد تدمير سورية وإقتلاع النظام فيها بهدف إقامة دولة هزيلة تقبل الشروط الإسرائيلية وبهدف قطع الطريق الإيرانية مع ح ز ب الله في الأراضي السورية ومن خلال ذلك تدمير المقاومة . أميركا نحو غايتها أعلنت العداء للنظام في سورية وأيّدت حركات التغيير وفي نفس الوقت أعلنت العداء للتنظيمات الإسلامية المتطرفة (داعش والنصرة) بينما هي من أسّس داعش ودعمها لوجستياً وبالسلاح وقامت بنقل عناصرها بين منطقة وأخرى . أميركا كانت صادقة بالعداء للدولة السورية وكانت مخادعة في كل شيئ آخر، مخادعة مع تركيا ومع المعارضة السورية الداخلية ومع الأكراد .
العقدة الخليجية : تتلاقى دول الخليج (السعودية والإمارات والبحرين) مع تركيا وإلى جانبها قطر في محاولة إسقاط النظام السوري ويختلفون على البديل، ففي حين أن تركيا تؤيّد الاخوان المسلمين التابعين مباشرةً لها فأن دول الخليج تخاف من الدور التركي ويخاصمونه كلياً فيحاربون الأخوان المسلمين ويدعمون تنظيمات إسلامية ترتبط بالوهّابية، الفريقان وبعد السيطرة الكليّة تقريباً لداعش والنصرة كلّن اتخذ جهة، الحروب ما بين التنظيمات الإرهابية قلّصت نفوذهم وكانت واحدة من أسباب هزيمتهم . إذا أردنا أن نصل إلى خلاصة نستنتج أن تركيا استثمرت بالخداع لكنها بعيدة عن مراميها .
هي بالحلف الأطلسي وتعادي اليونان الحليف، تشتري السلاح الروسي وتقيم معاهدات تجارية مع إيران الخاضعة للعقوبات الاميركية . هي تعادي الخليج المقرّب من أميركا دون أن تكون حليفة لإيران، هي صديقة لحماس دون أن تعادي "إسرائيل" . دخلت بجيشها وضربت الأكراد في عفرين ولا تستطيع ذلك بالحسكة، دخلت إدلب وتراجعت جزئياً بعد طرد الجيش السوري الإرهابيين وتوقف تحرير إدلب بطلب روسي على أن يتم سلمياً . لم تستطيع تركيا تحقيق غاياتها في سورية لكن دورها كان مؤلماً كلياً .
أن الوضع الراهن لم يسمح بعد بإنهاء الدور التركي رغم تراجعه والحرب مستمرّة بطرق عدّة، أما عن طرد تركيا من كل الأراضي السورية فشرطه وعي القوميّة ونهوض الأمة من كبوتها كأمّة وليس كيانات .
عميد الاذاعة
الأمين مأمون ملاعب
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :