كتبت صفاء درويش في "السياسة":
منذ 17 تشرين الماضي تطالب القوات اللبنانية، أكان على لسان رئيسها أو نوابها أو حتى محازبيها الناشطين في صفوف الثورة، بإنتخابات مبكرة تعيد خلط أوراق المجلس النيابي وتُنتج مجلسًا بأكثرية جديدة. يعتقد من يستمع لهذا الخطاب السياسي أنّ القوات اللبنانية تسجّل تقدّمًا في مختلف مناطق تواجدها وأن مطالبتها بتقريب موعد الإنتخابات ما هو إلا لمحاولة الإستثمار بالأرقام. ولأن السقوط في الجامعات كان مدويًّا، ولأنّ لفظ مجموعات الثورة لتغلغل القوات داخلها كان واضحًا أيضًا، العين اليوم على معقل القوات في بشري، هل ما زال شعار "بشري قوات" واقعيًا؟
وقبل الدخول في الأرقام على الأرض، يجب التطرّق إلى أن قضاء بشري بات في الآونة الأخيرة يشهد تململًا كبيرًا من حزب القوات، لا سيما زوجة رئيس الحزب النائب ستريدا جعجع. هذا التململ يعود إلى ما يصفه البعض بفوقية تمارس من قبل ستريدا وفريقها وقيادة القوات على الأرض تجاه الناس تُعزّز بفكرة احتكار تمثيل القوات للقضاء، اضافة إلى تضخيم تمارسه ماكينة القوات الإعلامية تجاه أي نشاط بسيط يحصل ليُصوّر على أنه إنجاز كبير. هذا الأمر دفع بكثير من أبناء المنطقة، إلى التفكير من منطلقات أخرى لا سيما في ظل الأزمة الإقتصادية التي يمرّ بها لبنان. فالقوات منذ العام 2005، أي منذ استعادة نشاطها السياسي الفعلي في القضاء، اعتمدت بشكل كلّي على خطاب التخويف من الآخر، مستخدمة لغة طائفية تسعى فيها لشد العصب والحفاظ على الحالة الشعبية، في ظل افتقار القضاء للمشاريع التنموية الجديدة التي تساهم في حال ايجادها برفع المستوى المعيشي لأبناء المنطقة. هنا، بات الرقعة متسعة بين أهالي بشري والقوات عمومًا وبين القوات وبيئتهم الحاضنة من غير الحزبيين على وجه الخصوص.
عام 2018 حازت القوات اللبنانية في قضاء بشري على 12500 صوتًا من أصوات أبناء القضاء موزعة على نائبيها في المنطقة. في مواجهتهما كان الرقم الأعلى لملحم جبران طوق الذي حاز على 4649 هو الذي تحالف في حينها مع تيار المردة والحزب السوري القومي الإجتماعي والوزير السابق بطرس حرب. الرقم الثاني كان للمرشح سعيد يوسف طوق الذي حاز على 1112 صوتا في حينها على لائحة الشمال القوي التي شكلها التيار الوطني الحر. هذه الأرقام تشير بوضوح أن بشري عام 2018 توزعت بين القوات اللبنانية وملحم طوق المعروف بين أبناء بشري بوليام.
ومن المؤكد أن ما بُنيت عليه انتخابات 2018 بات من الماضي، وأن واقعًا جديدًا فرضته كل الأحداث التي مر بها لبنان منذ العام 2018 وحتى اليوم، لا سيما أحداث 17 تشرين وما تبعها. ففي إستطلاع للرأي لم يُنشر بعد، تبيّن أن الرأي العام البشراني يؤيد مجموعات الثورة بنسبة 48% فيما يؤيد القوات اللبنانية حوالي 31% من سكان القضاء فيما يحوز ويليام طوق وحده على حوالي 21%. هذه الأرقام لا تؤخذ بظاهرها، كون تأييد الثورة من قبل نصف أهل بشري تقريبًا لا يُترجم انتخابيًا بشكل مباشر، وإنّما هناك عوامل عديدة تساهم في تقليصه إلى حدود معينة، أبرزها عدم توحّد المجموعات في كل المناطق، ومنها دائرة الشمال الثالثة التي تضم بشري، الأمر الذي يضع الكرة في ملعب الأحزاب والشخصيات السياسية. الذهاب نحو انتخابات مبكرة اليوم باستبعاد توحّد مجموعات الثورة نتيجة الخلافات في الرؤى والمواقف ورفض تحالف اي من المجموعات أيضًا مع حزب القوات اللبنانية، يبيّن أن تراجعًا واضحًا أصاب حضور القوات في القضاء بشكل متتالٍ منذ العام 2009 حتى 2021 مرورًا بال2018.
هذا التراجع في شعبية القوات، للأسباب التي باتت معروفة، لا يمكن استثماره بشكل واضح في بشري سوى بتضافر جهود المعارضين للقوات مع الشخصية السياسية الخدماتية الأبرز في المنطقة وهو ويليام طوق.
طوق الذي قارع وحده حزبًا أساسيًا كالقوات، تزايد شعبيته بنسب ضئيلة يعني أنّه بات يشكّل حيثية متساوية مع حيثية نائب قواتي واحد، وهو الأمر الذي يشكّل في ظل القانون النسبي خطرًا حقيقيًا على احتكار القوات لتمثيل البشرانيين.
طوق، غير البعيد عن مطالب الثوار المعيشية والمنطقية، ليس بعيدًا اليوم عن خصوم القوات في الشمال أي التيار الوطني الحر وتيار المردة والحزب السوري القومي الإجتماعي. صديق الجميع هو ابن مدرسة جبران طوق التي لم تختلق العداوات السياسية بل أثبتت منذ سنوات طويلة وقوفها إلى جانب مصالح الناس لا سيما أهالي بشري.
في الحقيقة، لم تعد أولوية أهالي قضاء بشري تتجسد في التموضع السياسي القائم على الشحن والمواجهة، وإنما باتت حاجاتهم اليوم تتمحور في إطار المطالب التنموية والمعيشية. ففي هذا الإطار، لا يمكن حسم تموضع ويليام طوق السياسي في اي انتخابات مقبلة، ولكن الأكيد أن تصاعد حضور الرجل خدماتيًا مقابل نفور يحصل من داخل بيئة القوات اللبنانية لا بدّ له أن يثير قلق القيادة القواتية من اي انتخابات مقبلة، فما بالها تدعو اليوم لإنتخابات فرعية هي التي تراجعت في معقلها الأم ومسقط رأس رئيسها!
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :