22كانون الأول 2020
لماذا وجب علينا الاختيار بين الدولة الدينية والعلمنة
العقلنة صفة دولة الحداثة وما بعدها
أشعل حديث الرئيس الاسد عن العلمنة وفصل الدين عن الدولة العقول وألهب النفوس وانبرت الاقلام تكتب وتحلل بين مؤيد ومعارض ومستمهل .
منهم من صرف الحديث في بنوك السياسة
منهم من صرف الحديث في بنوك التسوية
منهم من صرف الحديث في بنك الانتخابات الرئاسية
منهم من صرف الحديث في بنك التحضير لأسلمة الدولة
عاصفة هبّت ونأمل أن لا تهمد لأنها أعادتنا الى أجواء الصراع الفكري والصراع السياسي المنطلق من قواعد فكرية وليس الصراع السياسي من أجل السياسة .
وساعد خطاب وزير الأوقاف في تأجيج النقاش الذي طرق كل الاتجاهات حتى وصل الى نبش قبور تعود الى ما قبل التاريخ الميلادي بآلاف السنين .
خاصة وأن وزير الأوقاف زاد من جرعة الاستفزاز عندما تحدث باستهزاء عن الأمة السورية .
لقد ربط معظم الذين كتبوا مؤيدين فصل الدين عن الدولة والعلمنة بين التنوع في المجتمع والعلمنة فاعتبروا أن العلمنة ضرورة للمحافظة على التنوع .
هنا يخطر لي سؤال .
لوكان الشعب في كل كيان من كيانات الأمة من طائفة واحدة أو لوكانت الأمة من طائفة واحدة هل ستقوم في بلادنا الدولة الدينية ؟
وهل الأمم المسيطر فيها طا ئفة واحدة تُقيم الدولة الدينية ؟
إذا أردنا خوض مجال الأمثلة لوجدنا عشرات الأمم التي وصلت الى الدولة العلمانية بعد أن مرت بالدولة الدينية والدولة الاقطاعية .
وهذه الدول اعتمدت فصل الدين عن الدولة والعلمنة لأنهما كانا ضرورة لارتقاء المجتمع بعد الثورة الصناعية والثورة الفرنسية .
في أوج الدولة الدينيةو في زمن الخلافة الاموية قامت مؤسسات الدولة المدنية لأنها كانت حاجة للدولة وللناس .
أن اول عملية انفصال للسياسة عن الدين كانت عندما تحولت الخلافة من الشورة الى الوراثة وذلك عندما أوصى معاوية بالخلافة لولده يزيد واستمرت الوراثة حتى زمن الخلافة العثمانية .
لقد جاء نشوء الدولة نتيجة للحاجة .
فبداية الدول الاسلامية كانت في المدينة عندما أضطر الرسول لتنظيم شؤون المهاجرين .
في المدينة ظهرت نواة الدولة الأسلامية
طبعا هنا نحن لا ننسى أن وجود الدولة سبق الدولة الدينية
وجدنا الدولة في بلاد ما بين النهرين .( الدولة الاشورية ، الدولة الكلدانية ......
وجدنا الدولة على الشاطىء السوري .(الدولة الفينيقية .......)
ليست العلمانية القدر المحتوم والبديل الوحيد للدولة الدينية
وليس فصل الدين عن الدولة على الطريقة الأوروبية النموذج المفروض علينا وعلى طريقة فصل الدين عن الدولة أو الدولة الدينية .
عندما اعتبر أنطون سعادة الحزب السوري القومي الاجتماعي دولة الامة السورية قصد أمرا محددا وهو :
أن الحزب هو النموذج الذي ستسير عليه دولة الأمة السورية .
لا يمكن للحزب أن يُنشىء كل مؤسسات الدولة ، ولا يمكن للحزب أن يستوعب جميع المواطنين ، خاصة وأن الحزب ليس حزبا شموليا بمعنى إلغاءالآخر بل يعتبر الحرية صراع وبالتالي مسموحة حرية الاحزاب الوطنية والقومية في الأمة السورية
إذا كان الحزب هو النموذج
فلا يمكن لنا أن نقول أن العلمنة هي نموذج مشروع الحزب في الدولة .
اعتبر الزعيم العقل هو الشرع الأعلى وبالتالي مؤسسات الدولة وصفلتها يجب أن يكون مصدرها العقل .
لذلك قلتها منذ عشرين عام وأكثر وأكررها اليوم لماذا لا نقول بالعقلنة
إذا كانت الدولة الدينية تقوم على النص والعقل يجيز نصا ويُبطل نصا آخر على قاعدة حاجة المجتمع ، فلماذا لا نقول بعقلنة الدولة .
الدولة السورية القومية الاجتماعية ، دولة الأمة السورية هي دولة العقلنة وليست دولة العلمنة .
لذلك أقترح أن يتوجه جميع الباحثين والمثقفين والمفكرين الى دراسة أوصاف العقلنة ودولة العقلنة .
نجد أساسات دولة العقلنة في المبادىء الاصلاحية للحزب السوري القومي الاجتماعي وليس في مبدأ فصل الدين عن الدولة .
نجد أساسات دولة العقلنة في الخطاب المنهاج الأول
نجد أساسات دولة العقلنة في تعريف الدولة عند أنطون سعادة
نجد أساسات العقلنة في الفلسفة السورية القومية الاجتماعية فلسفة النظرة الجديدة الى الحياة والكون والفن
نجد أساسات العقلنة في نظرة سعادة الى الديمقراطية
نجد أساسات العقلنة في نظرة سعادة الى الأمة التي تعتمد على التفاعل الأفقي والعامودي .
نجد أساسات العقلنة في الصراع الفكري
لماذا علينا التفتيش عن جواز مرور الدولة العصرية في مراكز الأمن العام الدينية ولا نفتش عنها في مراكز الامن العام المدنية
لافصل بين الدين والمجتمع لأنه في دولة العقلنة يصبح الدين مسألة شخصية ،علاقة بين المواطن والخالق ، في الدولة العصرية لا إكراه في الدين ولا أحكام تصدر من أكثرية وتفرض على أقلّية ، في دولة العقلنة ، الأحكام المدنية واحدة لكل فئات المجتمع ، والحرية واحدة لكل أفراد المجتمع .وممارسة الشعائر الدينية مُصانة لكل الطوائف والمذاهب ولكل الاحزاب والأفراد شرط أن لاتتعارض أهداف هذه الاحزاب والجمعيات والأفراد مع مصلحة الامة والوطن .
وبديهي أن الدولة شأن ثقافي بحت ، لأن وظيفتها من وجهة النظر العصرية العناية بسياسة المجتمع وترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام يعين الحقوق والواجبات إما بالعرف والعادة –في الاصل –وإما بالغلبة والاستبداد . فهي إذن شأن من شؤون المجتمع المركب ، لا وجود لها إلا فيه ، وهي لذلك شأن سياسي بحت ، ومع ذلك فهي ليست شأنا لا اجتماعيا ، فكما أن الدولة لا وجود لها إلا في المجتمع كذلك السياسة لا وجود لها بدون الاجتماع . ج3ص74
عندما يقول سعادة أن الدولة شأن ثقافي ووظيفتها من وجهة النظر العصرية العناية بسياسة المجتمع وترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام يعين الحقوق والواجبات ،
يقصد فكرة محددة هي أن الدولة العصرية لا تكون نتيجة توافق بين فئات المجتمع بل هي ناتج لتطور ثقافي في المجتمع ، ولا يمكن أن يكون التطور الثقافي لفئة دون فئة أخرى ، فلا يمكن ان نجد في المجتمع فئة متطورة وفئة متخلفة إلا إذا كانت الدولة ناتج حالة غير طبيعية كما هو حاصل في كيانات الأمة السورية ، اي ان تكون الدولة ناتج صفقة أو تسوية ، وبالتالي تفقد الدولة وظيفتها ودورها ،وتغلب على قراراتها إرادات الفئويات وليس إرداتها هي كدولة عصرية .
لو حاولنا تفصيل العقليات الفئوية في بلادنا نجد نوعين
فئوية طوائف ومذاهب
فئوية أثنيات
يؤكد أنطون سعادة في أكثر من مكان أن فئوية الطوائف والإتنيات من أخطرالتحديات التي تواجه الدولة السورية، لذلك أفرد لعلاج مشكلة الطوائف ثلاثة مبادىء إصلاحية .وبذلك يكون سعادة أعطى الأولوية للتغيير في المجتمع وليس في الدولة ، ولذلك لم يُجز فكرة الانقلاب وأكد على فكرة الثورة لذلك أطلق على معركته الاولى مع النظامين اللبناني والشامية بالثورة السورية القومية الاجتماعية الأولى .
أسماها الثورة الأولى ولكنها كانت يتيمة ،وهذا ما يؤكد لنا أن الانحراف استمر منذ غياب الزعيم القسري لكنه أخذ شكل التقية وظهر بعد استشهاد الزعيم مباشرة .
يعتبر أنطون سعادة أن الدولة هي التي تحدد الحقوق والواجبات وليس الطوائف والمذاهب ، لأننا إذا تركنا الطوائف تحدد الواجبات والحقوق أصبحت الطوائف دولا بقلب الدولة وأصبحت الامة تعيش اختلاط في التشريع يزعزع أساسات المجتمع ويقسّم الامة .
التشريع الواحد المحدِد لطبيعة العلاقة بين المواطن والمجتمع وبين المواطن والدولة هو التشريع الكفيل بالحفاظ على وحدة المجتمع ، وأيضا يكون هذا التشريع ناتج وعي المجتمع وإدراك أفراده . ويجب أن يكون إبداعا قوميا أو يُراعي خصوصية المجتمع السوري ، ونحن لا نحتاج الى استيراد الشرائع طالما ما زلنا نسنّ القوانين والشرائع ، هذا لا يعني أننا ندعو الى الانغلاق والانعزال بل نحن دعاة التفاعل بين ثقافات الأمم .ولأن تعدد التشريع ينتج تعدد اصطدامات في المجتمع كان فصل الدين عن الدولة وكانت الحقوق والواجبات حصرية في الدولة .
كيف ستتعامل الدولة التي لا تفصل بين الدين والدولة مع:
وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدّق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون .المائدة
وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا. النساء
يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين
الجزية : هي مال يدفعه أهل الكتاب ، ومن يلحق بهم ، الى المسلمين مقابل حق أو خدمة أو واجب يقوم به الطرف الآخر ، وقد فرضت في مقابل أن يقوم المسلمون بحمايتهم ،حيث لم يكن مسموحا لأهل الكتاب بالانتظام بالجيش .
ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم .
قد يطرح بعضهم سؤال :
ألا يمكن إنشاء دولة عصرية معقلنة دون فصل الدين عن الدولة ؟
هذا هو البعث في العراق الذي بعد أكثر من نصف قرن من الحكم عاد الى كتابة لا إله إلا الله على علمه ، وها هو العراق مستنقع خلافات وصراعات طائفية وقبلية ،
وها هي الشام ، تفتح بواباتها الكيليكية للأخطار القادة من جرّاء عدم فصل الدين عن الدولة علة الدولة وتخوض أشرس حرب مع التطرف الاسلامي الذي ما زال يحاول السيطرة على الدولة بطرق مختلفة وأعطى خطاب وزير الاوقاف إشارة علنية لما ينوي عليه الاعتدال الاسلامي فما بالنا إذا حاولنا أن نصل الى الاشارات المضمرة .
العقلنة تدعو الى منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين .
لرجال الدين وظائف روحية يتفاعلون بواسطتها مع المواطنين ومع المراجع الدينية المركزية ومتى خرجت العلاقة من المسائل الروحية الى المسائل الوطنية والقومية تُخرج معها مصالح الامة ومواردها وقدراتها لتصبح في خدمة مصالح هذه المراجع وارتباطاتها وما حصل مع المطران كبوجي دليل واضح وما حصل مع انور السادات الذي استحصل على فتوة من المرجعية تُبرر عقده اتفاقية كامب دايفد التي كانت فاتحة الاتفاقات والخطوة الاولى على طريق صنا عة سلاما لمصلحة دولة الاغتصاب .
لا يمكن أن تقوم دولة عصرية وطنية قومية ويتدخل رجال الدين في شؤونها السياسية والقضائية .
لا يمكن أن يحدث تفاعل إذا لم تزل الحواجز بين مختلف الطوائف
لا يمكن أن يُنتج ارتقاء ،إذا لم يتفاعل أبناء الأمة تفاعلا على قاعدة الصراع الفكري وليس على قاعدة الاصطدام ،ولا يضمن حصول هذه الحالة إلا إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف . ولايزيل الحواجز بين مختلف الطوائف إلا العقلنة .
يقول سعادة :
كانت الدولة قبل نشوء القومية إرادة خصوصية تفرض نفسها على المجموع الذي تشمله ،أما بعد نمو القومية فقد أصبحت النظام والهيئة الممثلين لإرادة الأمة .
ج3ص112
أوضح سعادة أنه يوجد دولة ما قبل القومية ودولة ما بعد القومية فدولة ما قبل القومية إرادة خصوصية تفرض نفسها على المجموع ، الذي تشمله وهذا ما كانت عليه الدولة الاموية والدولة العباسية والدولة الفاطمية وسلسلة الدول التي نشأت في زمن الخلافة العباسية وهكذا كانت الدولة العثمانية التي فرضت إرادتها على شعبنا ما يقارب الاربعماية سنة، أما دولة ما بعد القومية فقد ظهرت في أوروبا بعد الحروب الدينية وانتهاء زمن الامبراطوريات المترامية الاطراف ، كالأمبراطورية البريطانية ، ومن خصائص هذه الدولة أنها النظام والهيئة الممثلين لإرادة الامة ،
ولا يجوز ان يكون التعبير عن إرادة جزء من الامة وليس الامة بكاملها ،
ولنضمن عملية المشاركة في التعبير لا بد من المساواة في الترشح والانتخاب والتعيين في الوظائف واستلام المسؤوليات ، دون الالتفات الى الانتماءات الطائفية والمذهبية ،لا بد من المساواة في الحقوق والواجبات .
تكتسب العقلنة مشروعيتها أنها ليست ردة فعل على الدولة ما قبل القومية وليست موقفا من الدين ، ليست العقلنة فكرة تخص الدولة بل هي مبدأ يخص الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما .
لا تختص العقلنة بتشريع الدولة وقوانينها بل هي فكرة تدرس أيضا واقع المجتمع وأُطر تطوره ،ولذلك اكتسبت أهمية من أنها نظرة شاملة وليست نظرة جزئية.
إذا كانت الديمقراطية التعبيرية هي هدية الامة السورية الى العالم فإنها أي الديمقراطية التعبيرية مظهر من مظاهر العقلنة .
قادم الأيام سيحمل مهام كبيرة لأبناء العقيدة السورية القومية الاجتماعية كي يؤكدوا ان العقلنة هي نظام الدولة والمجتمع ما بعد الحداثة هي نظام الدولة والمجتمع بعد نظام الدولة العصرية أو دولة العلمنة التي أوصلت العالم الى هذه الازمات الكبيرة .
وسام سعادة
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :