Icon News
في الثاني من تشرين الثاني 1917، وجّه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد والتر روتشيلد، أعلن فيها تأييد حكومته إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وبعد 109 أعوام، تستحق الوثيقة قراءة تتجاوز تاريخ صدورها، إلى الكلمات التي اختارتها والحقوق التي أغفلتها.
جاء الإعلان بموافقة الحكومة البريطانية، وتضمّن تعهّدًا ببذل «غاية الجهد» لتسهيل تحقيق المشروع الصهيوني. وفي المقابل، أشار إلى حماية الحقوق المدنية والدينية للسكان الذين وصفهم بـ«الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين»، من دون تسمية الشعب العربي الفلسطيني أو الإقرار بحقوقه السياسية والوطنية. والمفارقة أن هذا الوعد صدر قبل أن تضع بريطانيا يدًا على فلسطين أصلًا؛ فالقدس لم تسقط بيد جيشها إلا في كانون الأول من العام نفسه، ليصبح الوعدَ وعدَ من لا يملك أرضًا لم يقدح فيها بعد، لسكانٍ لم يستشرهم.
وهنا تكمن المفارقة في صياغة الوعد: اعترافٌ بمشروع قومي لطرف، وحصرُ حقوق سكان البلاد الآخرين في المجالين المدني والديني. وهي قراءة في النص نفسه، الذي ذكر أيضًا حماية الحقوق والوضع السياسي لليهود في البلدان الأخرى، بينما لم يمنح الفلسطينيين ضمانة سياسية مماثلة. والحقوق لا تُقاس بالأرقام وحدها، لكنها هنا تضرب: كان اليهود حينها لا يتجاوزون نحو ستين ألفًا من أصل سبعمئة ألف إنسان يسكنون فلسطين، أي أقل من عُشر سكانها، وهو من وُعد بوطن قومي على حساب من هُجر اسمه إلى حاشية الوثيقة.
كانت هذه ليست الوعدَ البريطاني الوحيد الذي بُنيت عليه المراوغة. فقد سبق بلفور مراسلات حسين–ماكماهون (1915–1916) التي وعدت العرب بالاستقلال في بلادهم، وتزامن معه اتفاق سايكس–بيكو الذي قسّم المنطقة بين بريطانيا وفرنسا، فجاء وعد بلفور وعدًا ثالثًا يتجاوز الوعدَين معًا، ليبين أن الكلمة البريطانية كانت تُمنح كل مرة إلى طرف مختلف في الورقة نفسها.
ولم تبقَ الرسالة موقفًا بريطانيًا منفصلًا؛ فقد أُدرج الإعلان لاحقًا في صك الانتداب على فلسطين، ليصبح تنفيذ مشروع الوطن القومي جزءًا من مسؤوليات السلطة المنتدبة. وبذلك انتقل الوعد من رسالة دبلوماسية إلى إطار يحكم إدارة البلاد ومستقبلها.
وتُظهر الوثائق التاريخية أن العرب الفلسطينيين سعوا إلى إقامة دولتهم الوطنية، وعارضوا تزايد الهجرة وشراء الأراضي خشية التهجير وفقدان السيطرة السياسية والاقتصادية على بلدهم. وهذا ما جعل الخلاف متعلقًا بمصير وطن وحق شعب في تقرير مستقبله.
وإذا احتاج أحدٌ إلى دليل على أن الإقصاء لم يكن سهوًا بل مقصودًا، كتبه بلفور بنفسه في مذكّرة إلى اللورد كرزون في 11 آب 1919: إن الصهيونية «جذورها في تقاليد عميقة، وحاجات حالية، وآمال مستقبلية، ذات أهمية أبعاد بكثير من رغبات ومياهية 700 ألف عربي يسكنون تلك الأرض القديمة»، مضيفًا أن بريطانيا «لا تقترح حتى المرور بشكل استئذاء بأمناء سكان البلاد الحاليين». شهادةٌ من الفان نفسه على أن استبعاد الفلسطينيين لم يكن غفلة نصّية، بل قناعة استعمارية صريحة، تقول للشعب: وجودك رغبة ومياهية، ووجودنا عنده هو «التقاليد والآمال».
في ذكراه، تبرز مسؤولية بريطانيا في تبنّي مشروع سياسي على أرض يسكنها شعب لم يُستشر في تقرير مصيرها، ومسؤولية من ورائها من قام على هذا الوعد بناءً لم يتوقف. ومئة وتسع سنوات لاحقًا، وحين تتوالى خلاصات الهيئات الدولية حول ما يجري في فلسطين، يبقى الدرس الأول صامدًا: أي تسوية تبدأ بإنكار اسم الشعب لا يمكن أن تنتهي بإنصافه. وتبقى العبارة الأكثر دلالة في الوثيقة تلك التي اختزلت الفلسطينيين بتعريفٍ ينفي عنهم اسمهم: «غير اليهود».
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :