خاص آيكون نيوز
ضهر البيدر… حين تُحاكَم المتفجرات ويبقى العدو خارج قفص المحاسبة!
شاحنة 780 كيلوغراماً من المتفجرات أوقفتها القوى الأمنية، فتدفع المقاومةَ إلى قاعة المحاكمة، بينما يدخل العدو الإسرائيلي جنوبَ لبنان متى شاء ويخرج كيف شاء… فأيّ دولة هي التي تحاكم أدوات الجهاد عن أرضها، وتترك عدوّها خارج دائرة المساءلة؟
لم تكن قضية ضهر البيدر شاحنةً أوقفتها القوى الأمنية وهي تنقل 780 كيلوغراماً من المتفجرات؛ ولو كانت كذلك لانحصرت في عناصرها القضائية، ومرّت كغيرها من الملفات في صمت الوثائق. غير أن المسألة تجاوزت الحمولة المضبوطة إلى سؤال سياسي أكبر، سؤالٍ يشغل كل لبناني مهيمن على أمره: كيف تتعامل الدولة مع ملف سلاح المقاومة في بلدٍ ما يزال جزء من أرضه تحت احتلال العدو الإسرائيلي، وتستمر فيه اعتداءات العدو، وتظل فيه معادلة حماية الجنوب وردع الأعداء بلا حسم؟ هذا هو السؤال الحقيقي، وسؤالٌ من هذا القبيل لا تُغلقه محكمة، ولا يُغلق بمحضر ضبط.
ادعاء قضائي لا حكم بالإدانة
أحال القضاء العسكري الملف إلى قاضي التحقيق لاستكمال الإجراءات، وادّعى على 13 شخصاً بينهم موقوفان، فيما أُدرج 11 آخرون في الادعاء غيابياً. وبحسب المعلومات المنشورة، تضمنت الشحنة 250 كيلوغراماً من مادة تي إن تي، و250 كيلوغراماً من مادة سي فور. وهنا لا بد من ثبات المنهج: هذه ادعاءاتٌ قضائية لا أحكامَ بالإدانة، والبراءة قرينة حتى تصدر الأحكام النهائية، ولا يجوز أن تختصر الساعةُ المعلوميةَ شحنةَ مواد إلى مدانين قبل أن يتكلم القضاء.
لكنّ العنصر السياسي الأهم في الملف، وهو ما يحوّله من ملف أمني إلى مرآة دولة، أن حزب الله، أي المقاومة الإسلامية في لبنان، أقرّ بأن المتفجرات تعود إليه، وقال إنها كانت مخصصة لجهاد العدو الإسرائيلي الغاصب في جنوب لبنان، وطالب باسترداد الشحنة وإطلاق الموقوفين. وهذا التصريح يضع القضية في إطار مغاير لما رُوّج عن استخدام الشحنة في عمليات داخلية؛ اتهاماتٌ أُثيرت في صحافاتٍ موالية وفضاءٍ إعلامي موازٍ، ولا تتحول إلى حقائق من دون أدلة قضائية معلنة، يستطيع اللبناني أن يقرأها بعينه ويوزنها بميزانه.
مقاومة تحاكمها الدولة… وعدوّ يطارد أهلها
من حق الدولة أن تحقق في أي شحنة متفجرات، وأن تتتبّع وجهتها ومسارها والجهات التي تعاملت معها؛ ولا أحد يطلب تعطيل القضاء أو إعفاء أي طرف من المساءلة إذا ثبت ارتكابه جرمًا بحق اللبنانيين. هذه بديهة لا تحتاج منا دفاعاً.
لكن للبنانيين حق لا يقلّ عن هذه البديهة: أن يسألوا هل تُقاس القضية بقرار حكومي اتُّخذ في قاعة ببيروت، أم بواقع ميداني ما يزال فيه عدوّنا الإسرائيلي حاضراً على الأرض، وما تزال فيه قرى جنوبنا عرضة لاعتداءاته وتدميره، وما زال فيه أهل الحدود والقرى يودّعون شهداء كلما انعدم الردع؟ وإذا كانت رواية المقاومة صحيحة، وكانت هذه المواد معدّة لجهاد قوات العدو الذي يحتل الأرض، فهل يصبح واجب الدولة أن تتعامل معها بوصفها جزءاً من معادلة الدفاع عن أرض ما تزال محتلة، أم أن المطلوب تجريد المقاومة من أدوات جهادها أولاً، ثم البحث لاحقاً عن ضماناتٍ لم يقدّمها أحد حتى اليوم، ولم يورّثها أحد لأنها غير موجودة؟
وهنا المفارقة التي لا يملك أحد أن يقفز فوقها: المقاومة دفعت أثماناً بشرية ومادية باهظة في مواجهة العدو، وقدّمت شهداءها النقاءَ الأطهر في تاريخ هذا الوطن، وكانت ظلَّ أهل الجنوب وضمانةَ وجودهم في أرضهم وكرامتهم، فيما لا تزال اعتداءات العدو مستمرة. وفي المقابل، تبدو السلطة السياسية منشغلة بتطبيق قرارات حظر العمل العسكري للمقاومة، من دون أن يكون واضحاً للبنانيين ما الخطةُ البديلة القادرة على حماية الأرض والناس وردع العدو. فالمطلب يذهب إلى نزع أداة، ويترك المشكلة التي كانت الأداة تعالجها واقفة على حالها: عدوٌّ على الباب، ودفاعٌ في دفتر حظوظ.
ساعة واشنطن أم ساعة الجنوب؟
لا يمكن فصل ملف ضهر البيدر عن المناخ السياسي الذي سبق ضبط الشاحنة، ولا عن القرار الحكومي الصادر في آذار بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، بعد اندلاع المواجهة الباسلة مع العدو الإسرائيلي. فالحكومة والمقاومة على طرفي خلافٍ جوهري حول شرعية السلاح ودور المقاومة في حماية الوطن، فيما تتداخل الضغوط الخارجية، وأولها الضغوط الواردة من واشنطن التي أرادت دائماً كسر ظهر الجنوب، مع النقاش الداخلي حول مستقبل هذا السلاح، حتى غدا ملف الدفاع الوطني بنداً في أجندة غيرنا نحن.
وهنا ينبغي أن يواجه أصحاب القرار السؤال الحقيقي: ليس كيف يثبتون التزامهم بالمطالب الخارجية، بل كيف يثبتون للبنانيين أن قراراتهم تنطلق من مصلحة لبنان وأمنه وسيادته. فلا يكفي أن يقال إن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة، ما لم تكن الدولة قادرة فعلياً على حماية الحدود والأرض والسكان، وما لم تقدّم خطة دفاعية واضحة ومقنعة تضعها على الطاولة وتلتزم بها. فالسيادة لا تُختصر ببيانات حكومية، ولا تتحقق بمجرد مصادرة أدوات الجهاد، فيما يبقى العدو قادراً على فرض وقائعه بالنار والتدمير.
أسئلة لا يجوز أن يغلقها الادعاء القضائي
يبقى على التحقيق أن يوضح للرأي العام مسار الشحنة، والجهة التي كانت ستتسلّمها، والظروف التي أدت إلى نقلها، والأدلة التي يستند إليها الادعاء بحق كل شخص. وتبقى على السلطة السياسية مسؤولية أكبر: أن تجيب عن السؤال الأهم، وهو ما البديل العملي الذي تطرحه لحماية الجنوب إذا كانت عازمة على إنهاء الدور العسكري للمقاومة؟ فمن يصرّ على نزع الدرع، عليه أن يقدّم صدراً بديلاً.
إن تحويل الملف إلى مواجهة بين القضاء والمقاومة لن يخدم لبنان، كما أن استعمال شعار المقاومة لإعفاء أي شخص من المساءلة ليس موقفاً سليماً. المطلوب عدالة لا تنتقي، وسيادة لا تُطبَّق على المقاومة وتتغاضى عن العدو المحتل، ودولة لا تكتفي بملاحقة سلاح الدفاع فيما تعجز عن تقديم ضمانة دفاعية بديلة. وهذه ليست شعارات، بل هي معيار يُقاس به الوطن: من يُسأل فيه عن كل طلقة تُضبط، ولا يُسأل فيه عدوّه عن كل بلدة دمّرها.
إذا ثبت أن شحنة ضهر البيدر كانت مخصصة لجهاد العدو الإسرائيلي، فإن المسألة لا ينبغي أن تُختزل في سؤال من نقل المتفجرات ومن خالف القرار الحكومي، بل يجب أن تُطرح أيضاً: لماذا يُلاحَق من استعدّ لجهاد العدو، بينما لا تزال الدولة عاجزة عن وضع حدٍّ لاحتلاله واعتداءاته؟
في بلدٍ لا يزال يواجه عدواً يحتل أرضاً ويهدد سكاناً، لا يمكن أن تكون ساعة واشنطن هي ساعة لبنان، ولا أن يصبح نزع أدوات المقاومة هدفاً قائماً بذاته قبل الاتفاق على كيفية حماية البلد. فالوطن الذي يحاكم مدافعيه ويصفّي حساباته معهم، بينما عدوّه خارج الدائرة، لا يحمي سيادته بهذه المحاكمات، بل يقيّدها لها. وضهر البيدر لن يبقى ملف شحنة، بل سيمرّ في تاريخنا محطةً تساءل: أيّ الأوطان يوازن سلاحَ من نافعه وعدوَّ من أذاه؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :