آيكون نيوز
قرارٌ بلا أسباب، كتابُ تبليغٍ بلا خلاصة، وحزبٌ يدّعي الديمقراطية فيقضي على الرأي المخالف ببيانٍ من سطرين. هكذا خرجت الكتائب اللبنانية في نهاية تشرين الأول 2026 من اختبارها الأنظف: أن تفسّر لنسيب وهبي، عضوها منذ 11 حزيران 1979، لماذا صدر عن «مجلس الشرف» قرارٌ بفصله النهائي، وأن تفتح أرشيفها ولسانها معًا. فعلت العكس: أخفت الأسباب، وأطلقت الخرافة.
الوثيقة التي حمّر موقعها موظفو الأمانة العامة، ووقعها الأمين العام وليد فارس بتاريخ 29 تشرين الأول، تكتفي بإحاطة الحضور المعنيّ بصدور قرار «مجلس الشرف» في 28 منه، مع إشارةٍ إلى خلاصةٍ «مرفقة» لا تظهر في أي نسخةٍ متاحة. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تحرج أي حزبٍ يزعم أنه مدرسةٌ في المؤسساتية: الفصل من حياةٍ سياسيةٍ قوامها سبعةٌ وأربعون عامًا، بورقةٍ لا تحمل مضمونَ الحكم، بجلسةٍ لا يُعلن محضرُها، وبمحاكمةٍ يجهل المتهمُ فيها التهمة، والناسُ كلهم يجهلونها.
وهبي لم يترك للصمت عذرًا حين فرّغ جرحه في وجهٍ واحد: أن فصله جاء «فقط بسبب رأيي المخالف» على الصعيدين الحزبي والوطني. وهذا ادعاءٌ خطير لا يُرد بالسكوت، بل بفتح الملف كله أمام الحزب ولأمه الحزبية. وما إن يقرأ المرء شهادته حتى يدرك أن الملف أثقل من ورقة فصل: سجونٌ وتعذيبٌ في زنزانات زمن الحرب بتهمة الانتماء نفسه، وستة عشر عامًا من المنفى عن الوطن والأهل. روايته هي، وقد يُحاجّها من يشاء، لكن الحزب الذي استفاد من تضحيات رجاله لا يملك حقّ أن يستقبل شيخَه الحزبي بورقةٍ إدارية، ولا أن يتغول على نصف قرنٍ من الخدمة بضربة قلم. التاريخ لا يُطبّع.
والصمتُ حين يطول، تصير الفضاءاتُ التي يملأها الغيابُ أوسعَ من القضية ذاتها. فقبل أن تجفّ حبرُ الكتاب، كانت المواقع والمجاميع السياسية تتسابق إلى تفسير القرار، فتذهبُ فيه أحيانًا إلى ما لا يستند إلى وثيقةٍ ولا مصدرٍ مسمّى، إلى حدٍّ من الادعاء بأنه جاء إرضاءً لمصلحةٍ خارجية. قد تكون هذه القراءةُ ظنًّا بلا دليل، وقد يكون أولى أهل القرار قد فاقَموا بجلودهم عنها ما هو إلا حدسٌ جماهيري؛ غير أن الحزب المضطّر إلى نفيِ ما لا أسبابَ له أعلنها، هو حزبٌ حوّل عيوبَ الآخرين إلى فضائح نفسه. من يُدخل الخلافَ الحزبي إلى غرفةٍ مغلقة، لا يملك بعدُ أن يلومَ من يقترح على الغرفة نواياها.
إن أرادت الكتائب أن تُنقذ ما يمكن إنقاذه، فالسبيل واحد وليس متعددًا: نشر خلاصة قرار مجلس الشرف ووجهاتِ التهم كاملة، وتسمية المعتقلين عليهم ومساءلتهم على منبرٍ حزبي علني، والتصريح الصريح هل في القضية رأيٌ مخالفٌ أم مخالفةُ انضباط؟ أما أن يُسدّل الحزبُ ساترَ «المؤسساتية» على عمليةٍ أوشك مضامينها على تصفية الاختلاف، فهذا أخطر على الكتائب من كل خصمٍ خارجي: فقد يؤمّن له الرأيُ المعارضة، لكنه لا يغفر له الزيف.
وهبي يختم بموعدٍ لا بدمعة: «سنوقف المهزلة، سنسترجع الكتائب». وقد يكون وعدُه رجعةً على من أخرجوه، أو مجردًا لنزاعٍ على صورة الحزب وكرسيّه. أياً كان مصيرُه، فقد فعل أكثر مما فعل كثيرٌ من المتشبثين بالانتماء: رفع الرأي المخالف إلى مرتبة قضية، وكلّف الحزبَ أن يثبت أنه ليس ما يزعم. وحتى يرد الكتائبيون، يبقى الحكم في الميزان: حزبٌ فصل «الرفيق» بعد سبعةٍ وأربعين عامًا، ولم يكن قادرًا، أو مستعدًا، على أن يكتب لماذا.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :