من المسرح المدرسي إلى ذاكرة الدراما التونسية، رحلة امتدت نحو خمسة عقود، انتهت برحيل ممثلة تركت بصمتها على الشاشة، وعبّرت في سنواتها الأخيرة عن ألمها من تراجع فرص العمل.
فقدت الدراما التونسية الفنانة آمال البكوش، التي توفيت الثلاثاء 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن عمر ناهز 77 عاماً، بعد مسيرة فنية امتدت قرابة نصف قرن بين المسرح والتلفزيون والإذاعة. وبرحيلها، تخسر الساحة الفنية اسماً ارتبط بذاكرة أجيال من المشاهدين، ولا سيما من خلال شخصية «جنّات العرّافة» في المسلسل الكوميدي الشهير «شوفلي حل».
لكن اختزال آمال البكوش في شخصية واحدة لا ينصف تجربتها؛ فخلف الدور الذي رسّخ حضورها جماهيرياً، مسيرة طويلة من العمل المسرحي والتلفزيوني، وتجربة مهنية تنقلت خلالها بين الكوميديا والدراما الاجتماعية، في مشهد فني شهد تحولات كبيرة على امتداد عقود.
من التمريض إلى خشبة المسرح
وُلدت البكوش في 14 مارس/آذار 1949 بمنطقة باب سويقة في العاصمة التونسية، ونشأت في محيط عائلي فني. بدأت علاقتها بالتمثيل من المسرح المدرسي، قبل أن تختار متابعة شغفها والانضمام إلى فرقة الكاف المسرحية، تاركة عملها في قطاع التمريض.
هناك، تشكلت تجربتها بعيداً عن الأضواء السريعة، وتعمقت علاقتها بالمسرح الذي ظل ركناً أساسياً في مسيرتها. ولم تقتصر علاقتها بالفن على الوقوف أمام الجمهور أو الكاميرا، بل امتدت إلى تدريس التربية المسرحية، في تجربة جمعت بين الأداء ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.
«جنّات العرّافة»… الشخصية التي بقيت في الذاكرة
شكّلت مشاركتها في «شوفلي حل» إحدى أبرز محطات مسيرتها، إذ منحت شخصية «جنّات العرّافة» حضوراً خاصاً ضمن العمل الذي جمع عدداً من أبرز وجوه الدراما التونسية، من بينهم كمال التواتي ومنى نور الدين وسفيان الشعري وكوثر بلحاج وجميلة الشيحي.
غير أن مسيرتها لم تبدأ مع هذا المسلسل، ولم تنتهِ عنده. فقد شاركت في أعمال عدة، بينها «الدوار» و«الخطاب على الباب» و«قمرة سيدي محروس» و«ضفاير» و«إخوة وزمان» و«حسابات وعقابات» و«من أجل عيون كاترين».
وتكشف هذه الأعمال عن تجربة فنية متنوعة، لم تحصر صاحبتها في لون واحد، بل أتاحت لها الانتقال بين شخصيات وبيئات درامية مختلفة، فيما بقي المسرح حاضراً في تكوينها وهويتها المهنية.
حين تشعر الفنانة بأن الأبواب أُغلقت
في السنوات الأخيرة، تحدثت آمال البكوش بصراحة عن تراجع فرص العمل، ووصفت نفسها بأنها أصبحت من «المنسيّين»، منتقدة ما اعتبرته تغليباً للعلاقات والصداقات على الكفاءة في إسناد بعض الأدوار.
كانت كلماتها تفتح باباً أوسع للنقاش حول أوضاع الفنانين أصحاب الخبرة، وخصوصاً أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة في خدمة الفن، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام فرص أقل ومساحات أضيق للظهور.
فالتكريم، في نظر كثير من الفنانين، لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء الرمزي أو كلمات الثناء، بل يتجسد أيضاً في منحهم أدواراً تليق بتجربتهم، وفي إبقائهم جزءاً حياً من الحركة الفنية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كُرّمت البكوش ضمن الدورة الخامسة والعشرين لأيام قرطاج المسرحية، في محطة استحضرت عطاءها للمسرح التونسي.
إرث يتجاوز خبر الرحيل
لم تكن آمال البكوش نجمة تقوم مسيرتها على الظهور المتواصل في العناوين، بل ممثلة راكمت خبرتها عبر سنوات من العمل، ووجدت لنفسها مكاناً في ذاكرة الجمهور من خلال أدوار تركت أثراً يتجاوز زمن عرضها.
ومع إعلان رحيلها، تتجدد الأسئلة حول مكانة الفنان المخضرم في صناعة تتبدل أولوياتها باستمرار، وحول مسؤولية المؤسسات الفنية والإنتاجية في صون خبرات من ساهموا في بناء الدراما المحلية.
رحلت آمال البكوش، لكن «جنّات العرّافة» ستبقى حاضرة في ذاكرة المشاهدين، وستبقى مسيرتها شاهداً على أن قيمة الفنان لا تختصرها الشهرة العابرة، ولا تقاس بعدد مرات ظهوره، بل بما يتركه من أثر في وجدان الجمهور.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :