حزبٌ عصيٌّ على الموت!
أحمد أصفهاني
لم يعد أمام القوميين الاجتماعيين سوى إقامة سرادق ضخم يتقبلون في أرجائه الواسعة وفود المعزين، الحزانى فعلاً والشامتين تشفياً، بـ"وفاة" الحزب السوري القومي الاجتماعي. ذلك أن قراءة سريعة أو بطيئة، معمقة أو سطحية، لما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي تعطينا انطباعاً بأن الحزب "أعطاكم عمره وأصبحت عظامه مكاحل"، كما يقول المثل الشعبي.
عمر الحزب ينوف على 94 سنة، وإذا أضفنا إليه سنوات ما قبل التأسيس، عندما كانت الفكرة تختمر وتنمو في عقل سعاده ووجدانه، فإن وجوده يتجاوز القرن... مائة عام من النشاط في أوساط اجتماعية مريضة. مائة عام من الصراع، العبثي أحياناً. مائة عام من التحديات والتعديات، ومن الكوارث والنكبات. ومائة عام من أزمات تتناسل وتتصاعد لتفشل في إيجاد حلٍّ خلاقٍ يبعد عن القوميين هذه الكأس المرة!
الأزمات، وما يرافقها من شوشرة وثرثرة ومرمرة، تشكل البيئة الطبيعية التي تحتضن نعيق المتشائمين. ولا ننسى طبعاً فشل الحزب في تحقيق معظم برامجه السياسية والاقتصادية. بعض الذين ينعون الحزب يفعلون ذلك بشعور الأسى والعدم، وبعضهم الآخر يقدّم لقرائه أوراق تقاعده من خلال "وفاة" الحزب، وبعضهم الأخير لم يكن مرّة في حياته على علاقة ودية مع الحزب.
كنت أقرأ تلك النعوات وأتأمل ما يشرحه الناعون من تفسيرات وتعليلات. ومع كل يوم، وأمام كل تعليق، كنت أردد بيت المتنبي:
أصخرةٌ أنا؟ ما لي لا تحركني
هذي المدام ولا هذي الأغاريد
ألسنا معنيين بهذا الحزب وقد أعطيناه السنوات الأجمل من أعمارنا؟ وقدمنا له الأحب من رفقائنا؟ ومارسنا في المجتمع الأسمى من مناقبنا؟
عشرات المقالات والأبحاث والكتب تصدر بالعربية وبلغات عالمية أخرى في الداخل والخارج. صحيح أنها تركز على أنطون سعاده مؤسس الحزب وزعيمه، لكن لا فصل بين الجانبين. واللافت أن الدراسات ليست تاريخية سردية، وإنما هي تتناول صيرورة الفكر القومي في الحاضر كما في المستقبل المنظور.
مائة سنة وما زال الحزب يشغل الناس حتى في أدق مراحله. دعونا نقارنه بأحزاب أخرى وُلدت بعده بسنوات... لا مجال للمقارنة، بل لا تجوز المقارنة لأن فيها ظلماً شديداً للحزب. ومن المؤسف أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضةً!
الحزب مريض بأزماته، وأعضاؤه مأزومون بخلافاتهم. ومع ذلك يسعى كثيرون إلى التمسك بأذياله لأنهم يدركون في صميم قلوبهم أن الحزب، بعقيدته ونظامه ومناقبه، عصيٌّ على الموت!
لندن في 7 تشرين الأول 2026
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :