أسد الأشقر: السياسي والكاتب والمؤرخ والقائد الحزبي في مرحلة التحولات الكبرى

أسد الأشقر: السياسي والكاتب والمؤرخ والقائد الحزبي في مرحلة التحولات الكبرى

يحتل أسد الأشقر مكانة خاصة في تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي، ليس فقط لأنه كان واحداً من أبرز قياداته في مرحلة ما بعد اغتيال أنطون سعاده، وليس فقط لأنه تولى رئاسة الحزب في واحدة من أكثر المراحل السياسية اضطراباً في تاريخ لبنان والمنطقة، بل أيضاً لأنه كان شخصية جمعت بين العمل الحزبي والسياسي والنيابي والصحافة والكتابة والتاريخ. ولذلك فإن دراسة أسد الأشقر لا يمكن أن تختصر في سرد سيرته الشخصية أو في تعداد المناصب التي شغلها، بل ينبغي النظر إليه باعتباره نموذجاً لقيادي قومي اجتماعي عاش مرحلة انتقال الحزب من مرحلة التأسيس والقيادة الشخصية لأنطون سعاده إلى مرحلة المؤسسات والصراعات الداخلية والضغوط السياسية والأمنية التي طبعت تاريخ الحزب بعد عام 1949.
ولد أسد بولس الأشقر في بلدة ديك المحدي في المتن الشمالي سنة 1908، ونشأ في بيئة لبنانية كان فيها السؤال السياسي والوطني حاضراً بقوة، ولا سيما في مرحلة الانتداب الفرنسي والتحولات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. ومع مرور الوقت اتجه إلى الثقافة والعمل السياسي، ثم ارتبط بالحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه أنطون سعاده سنة 1932. وتذكر المصادر الحزبية أنه شارك في النشاطات الحزبية والسياسية والإذاعية، وأنه ساهم في تحرير جريدة «صدى النهضة»، كما كان من الذين توجهوا إلى مصر لاستقبال سعاده عند عودته من المهجر سنة 1947 ومرافقته إلى لبنان. وهذه التفاصيل تكشف أن علاقة الأشقر بالحزب لم تكن علاقة عضو عادي، بل علاقة رجل أصبح منذ وقت مبكر جزءاً من النخبة القيادية والفكرية التي رافقت نشوء الحزب وتطوره.
ومن المهم التوقف عند علاقته بأنطون سعاده، لأن فهم هذه العلاقة يساعد على فهم موقع الأشقر في تاريخ الحزب. فقد كان الأشقر من الجيل الذي عاش تجربة التأسيس ومرحلة العمل السري والملاحقات والاضطهاد، ولذلك فإن تجربته الحزبية تشكلت في زمن كانت فيه العضوية الحزبية تعني الانخراط في مشروع سياسي وفكري يتعرض باستمرار للمواجهة مع السلطات والقوى السياسية المنافسة. وفي هذه البيئة برز الأشقر بوصفه رجلاً يجمع بين النشاط السياسي والقدرة على الاتصال والتنظيم والكتابة، وهي صفات سترافقه في مراحل لاحقة من حياته.
بعد إعدام أنطون سعاده سنة 1949 دخل الحزب مرحلة جديدة شديدة التعقيد. فقد فقد مؤسسه وقائده المركزي في ظروف تركت آثاراً عميقة على التنظيم وعلى العلاقة بين القيادة والقاعدة، كما واجه الحزب ملاحقات وضغوطاً سياسية وأمنية في لبنان وسورية. وفي هذه المرحلة برزت أسماء عدد من القيادات التي حاولت الحفاظ على التنظيم واستمراريته، وكان أسد الأشقر أحد هؤلاء. وتشير المصادر إلى أنه بعد سنة 1949 بقي كثير الحركة بين لبنان والمغتربات، واتصل بالقوميين الاجتماعيين في الخارج وساهم في المحافظة على الروابط التنظيمية والسياسية معهم.
وهنا تبدأ أهمية أسد الأشقر التاريخية الحقيقية. فهو لم يكن من جيل المؤسسين فقط، بل كان من القيادات التي واجهت السؤال الأصعب الذي واجهه الحزب بعد غياب سعاده: كيف يستمر الحزب كتنظيم سياسي وعقائدي من دون مؤسسه؟ وكيف ينتقل من مرحلة القيادة الشخصية إلى مرحلة المؤسسات من دون أن يفقد هويته السياسية والفكرية؟ كان هذا السؤال حاضراً خلف معظم الصراعات والتجارب التي عاشها الحزب في العقود اللاحقة.
في منتصف خمسينيات القرن العشرين دخل الحزب مرحلة دقيقة جداً. ففي أعقاب حادثة اغتيال العقيد عدنان المالكي في دمشق سنة 1955 تعرض القوميون الاجتماعيون لحملة اعتقالات واسعة، وانعكس ذلك على وضع الحزب في لبنان وسورية. وفي تلك الأجواء تغيرت القيادة الحزبية، فانتُخب مصطفى أرشيد رئيساً للحزب ثم خلفه أسد الأشقر. وتورد مصادر حزبية أن انتخاب الأشقر لرئاسة الحزب تم في 7 شباط 1956، بينما تذكر سير أخرى سنة 1957 باعتبارها سنة توليه الرئاسة، وهو اختلاف يمكن تفسيره باختلاف طريقة احتساب المرحلة الانتقالية ومدة رئاسة أرشيد؛ لذلك فإن الأدق تاريخياً الإشارة إلى أنه أصبح رئيساً للحزب في منتصف الخمسينيات، وتؤكد المصادر أنه كان رئيساً خلال مرحلة 1957–1958.
وفي سنة 1957 دخل أسد الأشقر الحياة النيابية اللبنانية، وانتُخب نائباً عن المتن الشمالي. وهنا اكتسبت تجربته بعداً جديداً، إذ أصبح يجمع بين موقع رئيس الحزب وموقع النائب في البرلمان. وهذه النقطة مهمة جداً في تقييم تجربته، لأن قيادة حزب عقائدي خارج السلطة تختلف عن قيادة حزب يملك ممثلاً داخل المؤسسة التشريعية. فقد أصبح الأشقر أمام مهمة مزدوجة: المحافظة على التنظيم الحزبي من جهة، والتعامل مع النظام السياسي اللبناني ومؤسساته من جهة أخرى. وتذكر المصادر أنه فاز في الانتخابات النيابية في المتن الشمالي في مواجهة مرشح حزب الكتائب.
لقد كانت رئاسة أسد الأشقر للحزب قصيرة نسبياً إذا قيست بتاريخ الحزب، لكنها جاءت في لحظة تاريخية بالغة الأهمية. ففي سنة 1958 انفجرت الأزمة اللبنانية التي تحولت إلى مواجهة سياسية ومسلحة واسعة، وكانت مرتبطة بالصراع الداخلي اللبناني وبالتحولات الإقليمية الكبرى، ولا سيما المد الناصري والوحدة المصرية السورية والصراع بين القوى المؤيدة للسياسة الأميركية والغربية والقوى القومية العربية والمعارضة للرئيس كميل شمعون.
في هذه الأزمة اتخذ الحزب السوري القومي الاجتماعي موقفاً سياسياً واضحاً، وكان أسد الأشقر في موقع رئاسة الحزب. وتكشف وثائق تلك المرحلة أن الأشقر تحدث في 29 أيار 1958 عن تفسير الحزب للأزمة اللبنانية، وربطها بالصراع الإقليمي والدولي وبالمعارضة الداخلية لحكم شمعون. وتساعد هذه الوثيقة في فهم موقف القيادة القومية الاجتماعية في تلك اللحظة بعيداً عن الروايات اللاحقة التي قد تختصر الأحداث في شعارات سياسية عامة.
لقد كان الحزب في تلك المرحلة قريباً من السلطة اللبنانية في مواجهة خصومها المسلحين، وكان لهذا الموقف نتائج سياسية مباشرة. وتذكر دراسة تاريخية عن لبنان والوحدة المصرية السورية أن الحزب كان من القوى الفاعلة في أحداث 1958، وأن موقفه من حكم الرئيس شمعون أدى إلى تقارب بينه وبين السلطة اللبنانية آنذاك. كما تشير الدراسة إلى أن الحزب حصل خلال تلك المرحلة على اعتراف رسمي بالعمل السياسي. وفي المقابل، فإن الرواية الحزبية نفسها تركز على أن موقف الحزب كان جزءاً من صراع سياسي أوسع يتعلق بمصير لبنان والمنطقة.
وهنا تبرز واحدة من أكثر المسائل إثارة للجدل في تجربة أسد الأشقر: هل كان موقف الحزب في 1958 تعبيراً عن قراءة استراتيجية صحيحة للصراع الإقليمي، أم أنه أدخل الحزب في اصطفاف لبناني ضيق انعكس عليه لاحقاً؟ لا يمكن تقديم جواب تاريخي جدي من دون وضع المسألة في سياقها. فمن جهة، كان الحزب ينطلق من عقيدته ورؤيته للصراع مع الاستعمار والتقسيم والتدخلات الخارجية، ومن جهة أخرى وجد نفسه عملياً جزءاً من الصراع السياسي الداخلي اللبناني. وهذه الثنائية بين المشروع القومي الأوسع والعمل السياسي اللبناني ستصبح إحدى المعضلات الدائمة في تاريخ الحزب.
كان أسد الأشقر، بحكم موقعه، في قلب هذه المعادلة. ولم تكن قيادته قيادة نظرية فقط، بل كانت قيادة في ظروف صراع سياسي وميداني. ولذلك فإن تجربته تكشف عن طبيعة الصعوبة التي واجهت الحزب في تلك المرحلة: كيف يمكن لحزب يحمل مشروعاً قومياً يتجاوز حدود لبنان أن يعمل داخل نظام سياسي لبناني شديد الحساسية تجاه الطوائف والمناطق والتحالفات المحلية؟
وفي تشرين الأول 1958 انتهت مرحلة الأشقر الأولى في رئاسة الحزب باستقالته من الرئاسة. وتذكر المصادر الحزبية أنه حصل في تلك الفترة على وسام سعاده، ثم ترأس وفداً مركزياً إلى المغتربات خلال عامي 1958 و1959. وقد شكّلت هذه الزيارة محاولة للحفاظ على التواصل مع التنظيمات القومية الاجتماعية في بلدان الاغتراب، وهي مسألة كانت مهمة جداً بالنسبة إلى الحزب، لأن الاغتراب السوري كان يشكل قاعدة بشرية ومالية وتنظيمية واسعة للحركة. وتؤكد المصادر أن الوفد كان برئاسة أسد الأشقر وضم إنعام رعد وعيسى سلامة.
إن انتقال الأشقر من رئاسة الحزب إلى مهمة التواصل مع المغتربات يكشف جانباً مهماً من شخصيته القيادية. فهو لم يتعامل مع انتهاء رئاسته باعتباره نهاية لدوره، بل بقي في قلب العمل الحزبي. وهذا أمر مهم عند دراسة القيادات الحزبية التاريخية، لأن النفوذ الحقيقي داخل الأحزاب لا يقاس دائماً بالمنصب الرسمي وحده، بل أيضاً بحجم الخبرة والشبكات والعلاقات والثقل التاريخي.
بعد الأشقر تولى عبدالله محسن رئاسة الحزب، ثم تولى عبدالله سعاده الرئاسة سنة 1960. وكانت هذه المرحلة بداية انتقال الحزب إلى وضع سياسي أكثر صعوبة. فقد انتهت مرحلة التعاون مع سلطة شمعون، وتغيرت البيئة السياسية مع وصول فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية. كما تعرض الحزب إلى خسائر في الانتخابات النيابية سنة 1960، وهو ما زاد من حالة التوتر الداخلي. وتذكر بعض الدراسات أن الحزب وجد نفسه بعد أحداث 1958 في وضع سياسي صعب، وأن الخسائر الانتخابية زادت من الإحباط داخل صفوفه.
ثم جاءت سنة 1961، وهي السنة الأكثر مأساوية في تاريخ الحزب بعد إعدام سعاده. ففي أواخر كانون الأول من تلك السنة دخل الحزب في محاولة انقلابية ضد نظام الرئيس فؤاد شهاب. وتختلف المصادر في توصيف طبيعة الدور الذي قام به مختلف القياديين، لكن المصادر الحزبية نفسها تؤكد مشاركة أسد الأشقر في المحاولة، وتذكر أنه اختفى بعد فشلها فترة من الزمن، ثم ألقي القبض عليه بعد مطاردة، ونقل بين عدة أماكن احتجاز، قبل أن يخضع للمحاكمة والسجن.
وهذه المحطة لا يمكن تجاوزها عند تقييم تجربته. فالانتقال من العمل النيابي والسياسي إلى العمل الانقلابي يمثل تحولاً كبيراً في طبيعة العلاقة بين الحزب والدولة. وقد أدت محاولة 1961 إلى حملة اعتقالات واسعة ضد الحزب، وإلى حظره وملاحقة قياداته وأعضائه، وتركت آثاراً عميقة على تنظيمه وعلى صورته السياسية. وفي الرواية الحزبية، يُنظر إلى المحاولة باعتبارها نتيجة لمرحلة من القمع السياسي ومحاولة لاستعادة حضور الحزب؛ أما الدراسات التاريخية غير الحزبية فتضعها ضمن سياق أزمة الحزب بعد أحداث 1958 وخسائره السياسية والانتخابية، وتعتبرها محاولة للوصول إلى السلطة بالقوة انتهت بالفشل وبحملة قمع واسعة.
ومن هنا يصبح تقييم أسد الأشقر أكثر تعقيداً. فهو لم يكن مجرد مراقب للأحداث، بل كان من القيادات التي شاركت في مرحلة 1961، ثم دفع الثمن بالسجن. وتروي المصادر الحزبية أنه تمكن من الاختفاء مدة طويلة، وأنه أصيب بكسر في إحدى قدميه أثناء محاولته الفرار من القوات التي حاصرته في بيت الشعار، ثم اعتُقل ونقل بين ثكنة الأمير بشير وسجن الرمل ومستشفى الكرنتينا وأوتيل ديو وسجن القلعة.
لكن المفارقة المهمة في سيرة الأشقر أن السجن لم يوقفه عن الكتابة، بل يبدو أنه أصبح بالنسبة إليه مرحلة لإعادة التفرغ للقراءة والبحث والتوثيق. فقد كتب مقالات نشر بعضها في «ملحق النهار» تحت اسم مستعار، وبدأ خلال فترة سجنه جمع الوثائق والإعداد لمشروعه التاريخي الكبير حول سورية. وهذه النقطة تجعل تجربة الأشقر مختلفة عن مجرد تجربة رجل سياسي أو قائد حزبي؛ فالرجل كان يحمل في داخله مشروع مؤرخ وكاتب، واستطاع تحويل جزء من سنوات الصراع والسجن إلى عمل فكري وتوثيقي.
ومن أهم الجوانب التي تستحق دراسة مستقلة في شخصية أسد الأشقر الجانب الأدبي والتاريخي. فقد عُرف باهتمامه بالتاريخ والأدب والسياسة، وترك مؤلفات وأعمالاً متعددة، من بينها «معابد الريف»، و«من صميم لبنان»، و«اللقاء الثوري»، و«من مفاهيم الإنسان الجديد»، إضافة إلى مشروعه الكبير «تاريخ سورية». وتذكر المصادر الحزبية أن له أيضاً مؤلفات ومخطوطات عديدة.
ويكتسب كتاب «معابد الريف» أهمية خاصة لأنه يعكس الأشقر الكاتب الذي لا ينظر إلى المجتمع من خلال السياسة وحدها. فالريف بالنسبة إليه ليس مجرد جغرافيا، بل مساحة للذاكرة والعادات والتاريخ والناس والعمارة والثقافة. ولذلك وصفه رفاقه بأنه كان قادراً على تقديم صورة أدبية غنية عن الريف اللبناني. أما مشروع «تاريخ سورية» فيكشف عن اهتمامه الأكبر بالمسألة التاريخية والحضارية وبمحاولة بناء سردية تاريخية واسعة تتصل بالأرض والمجتمع والحضارة السورية.
وهنا يجب التمييز بين «أسد الأشقر السياسي» و«أسد الأشقر المؤرخ». فالسياسي يعيش في الزمن القصير: الانتخابات، الأزمات، التحالفات، الصراعات والقرارات. أما المؤرخ فيحاول أن يخرج من اللحظة وأن ينظر إلى قرون من التاريخ. وربما لهذا السبب ظل اسم الأشقر حاضراً في الذاكرة الحزبية ليس فقط بسبب رئاسته للحزب ومشاركته في الأحداث السياسية، بل أيضاً بسبب إنتاجه الفكري والتاريخي.
ومن الناحية الفكرية، كان الأشقر ابن المدرسة القومية الاجتماعية، لكنه لم يكن مجرد ناقل لشعاراتها. فكتاباته التاريخية والأدبية تدل على اهتمام واسع بالهوية والتاريخ والمجتمع والأرض. كما أن نشاطه الصحفي يدل على إدراكه لأهمية الإعلام في بناء الرأي العام. وقد ارتبط اسمه في مراحل مختلفة بالصحافة الحزبية وبالنشاط الإذاعي، الأمر الذي جعله أحد الذين ساهموا في نقل أفكار الحزب إلى الجمهور.
أما على المستوى التنظيمي، فإن تجربته في رئاسة الحزب جاءت في مرحلة كان فيها الحزب يعيد بناء مؤسساته بعد غياب سعاده. ومن المهم هنا ألا نقرأ قيادة الأشقر بمقاييس القيادة الحزبية المعاصرة، لأن النظام الداخلي وآليات انتخاب القيادة في تلك الفترة كانت مختلفة. وتشير دراسة تاريخية حول المؤسسات الحزبية إلى أن مجلس الأمناء كان له دور في انتخاب المجلس الأعلى، وأن رئاسة الحزب خلال الفترة الممتدة بين 1956 و1960 تعاقبت بين مصطفى أرشيد وأسد الأشقر وعبدالله محسن وعبدالله سعاده.
وهذا يعني أن قيادة الحزب في عهد الأشقر لم تكن قيادة فردية بالمعنى المطلق، بل كانت جزءاً من بنية قيادية جماعية ومؤسسات حزبية. غير أن شخصية الرئيس كانت تبقى ذات وزن كبير، خصوصاً عندما يكون الرئيس نائباً في البرلمان وفاعلاً في الحياة السياسية العامة. ومن هنا يمكن القول إن تجربة الأشقر كانت محاولة للجمع بين القيادة الحزبية والتنظيمية وبين الحضور السياسي العلني.
لكن السؤال الأساسي يبقى: كيف قاد أسد الأشقر الحزب؟
يمكن القول إن أسلوبه القيادي اتسم بثلاثة عناصر رئيسية: الخبرة السياسية، والارتباط التنظيمي، والاهتمام الفكري. كان سياسياً يعرف طبيعة الحياة اللبنانية وتركيبة النظام السياسي، وكان في الوقت نفسه رجل تنظيم عاش سنوات طويلة داخل الحزب، وكان أيضاً مثقفاً وكاتباً ومؤرخاً. ولذلك لم تكن صورته داخل الحزب صورة المسؤول الإداري فقط، بل صورة «الأمين» صاحب الخبرة الطويلة والذاكرة السياسية.
غير أن قيادة الحزب خلال أحداث 1958 كشفت أيضاً عن مشكلة جوهرية: عندما يدخل حزب عقائدي في صراع سياسي داخلي، يصبح معرضاً لأن يطغى السياسي الآني على المشروع الفكري البعيد. وهذا لا يتعلق بأسد الأشقر وحده، بل بمشكلة واجهت الحزب بأكمله في مراحل مختلفة. فالانتقال من المشروع القومي الاجتماعي العام إلى الاصطفافات اللبنانية اليومية كان ولا يزال من أكثر المسائل التي تحتاج إلى تحليل عند دراسة تاريخ الحزب.
ومن جهة أخرى، فإن ما حدث سنة 1961 يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل كان الانتقال إلى العمل الانقلابي نتيجة طبيعية لتراكم الضغوط السياسية على الحزب، أم كان نتيجة خطأ في تقدير ميزان القوى؟ المصادر تختلف في تفسيرها. الرواية الحزبية تشدد على القمع والعزلة السياسية التي سبقت المحاولة، في حين ترى دراسات تاريخية أخرى أن هزائم الحزب السياسية والانتخابية بعد 1958 ساهمت في دفع بعض قياداته إلى خيار أكثر راديكالية. ومن الناحية التاريخية، فإن النتيجة المؤكدة هي أن المحاولة فشلت وأن الحزب تعرض بعدها لحملة قمع واعتقالات واسعة، وهو ما شكل ضربة كبيرة لتنظيمه.
وهنا ينبغي ألا ننظر إلى أسد الأشقر منفصلاً عن القيادات التي سبقته أو خلفته. فمصطفى أرشيد مثلاً قاد الحزب في مرحلة شديدة الصعوبة بعد أحداث المالكي، بينما جاء الأشقر في مرحلة بدأت فيها محاولة إعادة بناء الحضور السياسي للحزب في لبنان. وبعده جاء عبدالله محسن ثم عبدالله سعاده في مرحلة تغيرت فيها العلاقة مع الدولة اللبنانية. وبالتالي فإن المقارنة بين هذه القيادات لا ينبغي أن تكون مقارنة بين «رجل أفضل ورجل أسوأ»، بل مقارنة بين ظروف سياسية مختلفة وقرارات اتخذت في سياقات مختلفة.
أسد الأشقر كان قائداً في زمن كانت فيه فرصة الحزب للعودة إلى الحياة السياسية موجودة، واستطاع أن يجمع بين رئاسة الحزب والنيابة. لكن السنوات التي تلت رئاسته شهدت تحولاً جذرياً، وصولاً إلى محاولة 1961 وما أعقبها من قمع. وهذا يجعل مرحلته واحدة من المراحل الانتقالية الكبرى في تاريخ الحزب.
كما أن شخصيته تكشف عن مسألة مهمة في تاريخ الأحزاب العقائدية: العلاقة بين «الرجل التاريخي» و«المؤسسة». فقد كان الأشقر جزءاً من الجيل الذي عرف سعاده مباشرة، لكنه اضطر بعد رحيل سعاده إلى العمل داخل مؤسسة لم يعد مؤسسها موجوداً لضبط الخلافات وتحديد الاتجاه. ولذلك كان على القيادات اللاحقة أن تقوم بمهمة مزدوجة: الحفاظ على العقيدة كما فهمتها، وفي الوقت نفسه إدارة واقع سياسي جديد لم يكن سعاده موجوداً ليضع له الحلول.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم بعض التناقضات في تجربة الأشقر. فقد كان قومياً اجتماعياً عقائدياً، لكنه كان أيضاً نائباً في البرلمان اللبناني؛ وكان رئيساً لحزب يحمل مشروعاً قومياً يتجاوز الحدود، لكنه كان مضطراً إلى التعامل مع توازنات لبنان؛ وكان رجل سياسة ومواجهة، لكنه كان في الوقت نفسه كاتباً ومؤرخاً ينصرف إلى قراءة التاريخ؛ وكان أحد المشاركين في مرحلة الصدام سنة 1961، لكنه تحول في السجن إلى باحث وكاتب يعمل على مشروع تاريخي واسع.
إن هذه التناقضات ليست بالضرورة نقاط ضعف، بل هي التي تجعل شخصيته تاريخية قابلة للدراسة. فالشخصيات السياسية الكبرى لا تتحرك في فراغ، وإنما تتشكل من خلال الظروف والصراعات والخيارات والقيود التي تفرضها المرحلة.
ومن أهم ما يمكن استخلاصه من تجربة أسد الأشقر أن الحزب السوري القومي الاجتماعي بعد سعاده واجه مشكلة أساسية لم تكن سهلة الحل: كيف يحافظ على وحدة العقيدة والتنظيم في ظل تغير البيئة السياسية؟ فقد كان الحزب في عهد المؤسس يتحرك ضمن مشروع فكري وسياسي واضح المعالم، بينما أصبح بعد 1949 مضطراً إلى التعامل مع أنظمة سياسية متعددة، وانقلابات، وحروب أهلية، وانتخابات، وتحالفات، وملاحقات أمنية. ولذلك فإن الانقسامات اللاحقة في الحزب لا يمكن فهمها فقط من خلال الخلافات الشخصية بين القادة، بل ينبغي ربطها بهذه المشكلة التاريخية الكبرى.
ومن هنا فإن دراسة أسد الأشقر تساعد على فهم تاريخ الحزب كله. فهو يمثل مرحلة وسطى بين جيل سعاده وبين الأجيال التي جاءت بعده. كان يحمل ذاكرة التأسيس، لكنه كان يعيش في زمن مختلف؛ وكان يؤمن بالمشروع القومي الاجتماعي، لكنه كان يتعامل مع دولة لبنانية ومؤسساتها؛ وكان من رجال الصراع، لكنه كان أيضاً من رجال القلم والتاريخ.
أما إرثه الأدبي والتاريخي، فهو ربما الجانب الذي يحتاج إلى إعادة اكتشاف بعيداً عن الاصطفاف الحزبي. فدراسة «تاريخ سورية» و«معابد الريف» وكتاباته الصحفية يمكن أن تقدم مادة مهمة لفهم الطريقة التي نظر بها أحد أبرز القوميين الاجتماعيين إلى التاريخ والمجتمع والهوية. وفي هذا المجال ينبغي ألا يُقرأ الأشقر فقط بوصفه «رئيس الحزب»، بل بوصفه مثقفاً سياسياً أنتج نصوصاً تعكس عصره ومشروعه الفكري.
لقد توفي أسد الأشقر في 13 حزيران 1986، بعد حياة امتدت نحو ثمانية عقود، كان أكثر من نصفها مرتبطاً بالعمل السياسي والحزبي والثقافي. وتبقى صورته في الذاكرة الحزبية مرتبطة بالرجل الذي عاش مراحل متعددة: مرحلة الانتداب، ومرحلة تأسيس الحزب، ومرحلة سعاده، ومرحلة ما بعد سعاده، وأحداث 1958، والنيابة، والسجن بعد 1961، ثم العودة إلى الكتابة والتاريخ.
وعند تقييم تجربته بصورة تاريخية متوازنة، يمكن القول إن أهمية أسد الأشقر لا تكمن في أنه كان رئيساً للحزب فحسب، بل في أنه كان واحداً من أولئك الذين حملوا الحزب من زمن المؤسس إلى زمن المؤسسة، ومن زمن الحركة السرية إلى زمن العمل السياسي العلني، ومن زمن العقيدة في صورتها التأسيسية إلى زمن الاختبار السياسي الصعب. وقد نجح في بعض جوانب هذه المهمة، فيما كشفت أحداث 1958 و1961 عن صعوبات كبيرة في تحويل المشروع العقائدي إلى استراتيجية سياسية مستقرة.
ولذلك فإن أسد الأشقر لا ينبغي أن يُختصر في أحداث 1958 أو 1961، كما لا ينبغي أن يُختصر في صورة «القائد التاريخي» التي تقدمها بعض الكتابات الحزبية. فهو أكبر من ذلك وأعقد. إنه سياسي ونائب وقائد حزبي وكاتب ومؤرخ، وشخصية عاشت الصراع القومي واللبناني في أكثر مراحله اضطراباً. وفي الوقت نفسه، فإن تقييمه يحتاج إلى وضع قراراته في سياقها التاريخي، والتمييز بين ما هو موثق في الوثائق وبين ما ترويه الذاكرة الحزبية وبين ما تذهب إليه الدراسات التاريخية المختلفة.
ولعل أهم ما تتركه تجربة أسد الأشقر للأجيال اللاحقة هو سؤال القيادة الحزبية نفسها: هل تكفي العقيدة وحدها لبناء حزب قادر على الاستمرار؟ أم أن العقيدة تحتاج دائماً إلى مؤسسة قوية، وإلى قراءة واقعية لموازين القوى، وإلى قدرة على الفصل بين المبدأ السياسي وبين التكتيك المرحلي؟ هذا السؤال لم يكن سؤالاً يخص أسد الأشقر وحده، بل كان من الأسئلة المركزية التي واجهت الحزب السوري القومي الاجتماعي بعد رحيل سعاده.
ومن هنا يمكن فهم مكانة الأشقر في تاريخ الحزب على نحو أكثر دقة. فهو لم يكن مؤسس الحزب، ولم يكن صاحب العقيدة، لكنه كان من أبرز الرجال الذين حملوا إرث المؤسسة بعد المؤسس. ولم يكن أيضاً مجرد سياسي لبناني، لأنه ظل مرتبطاً بمشروع قومي اجتماعي يتجاوز الحدود اللبنانية، لكنه في الوقت نفسه اضطر إلى خوض السياسة اللبنانية بكل تعقيداتها. ولم يكن مؤرخاً أكاديمياً بالمعنى الجامعي الصرف، لكنه ترك وراءه اهتماماً تاريخياً واسعاً ومشروعاً لكتابة تاريخ سورية.
إن أسد الأشقر، في النهاية، هو صورة لمرحلة كاملة من تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي: مرحلة البحث عن التوازن بين العقيدة والسياسة، وبين التنظيم والعمل العام، وبين المشروع القومي والواقع اللبناني، وبين الذاكرة التاريخية والواقع السياسي. ولهذا فإن دراسة تجربته لا تفيد فقط في معرفة سيرة رجل حزبي، بل تساعد على فهم الأسباب التي جعلت الحزب بعد سعاده يمر بمراحل من الصعود والانحسار والصراع والانقسام، وكيف تحولت قيادة الحزب من قيادة المؤسس إلى قيادة مجموعة من الأمناء الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع سياسي جديد شديد التعقيد.
وإذا أردنا أن نختصر تجربة أسد الأشقر في عبارة واحدة، فإن الأدق ألا نقول إنه كان مجرد «رئيس سابق للحزب»، بل إنه كان أحد رجال المرحلة الانتقالية الكبرى في تاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي؛ رجلٌ حمل ذاكرة التأسيس، ومارس السياسة في زمن الصراع، ودفع ثمن خياراته بالسجن، ثم عاد إلى القلم والتاريخ ليترك وراءه صورة مركبة لرجل السياسة والمثقف والمؤرخ.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي