ودائع اللبنانيين: سبع سنوات على الانهيار وسؤال الخسائر الذي لم يُحسم

ودائع اللبنانيين: سبع سنوات على الانهيار وسؤال الخسائر الذي لم يُحسم

ايكون نيوز

منذ خريف 2019، تحوّل الحساب المصرفي في لبنان من وعدٍ بالأمان إلى سؤال مفتوح: كم بقي من مدّخراتي، ومتى أستعيدها، ومن سيتحمل الباقي؟ وبعد سبع سنوات من القيود والتسويات الجزئية، تقترب البلاد من لحظة قانونية فاصلة، تتقاطع فيها شروط صندوق النقد الدولي مع الحسابات السياسية والانتخابية وقدرة الدولة والمصارف الفعلية على الدفع.

حجم الثقب

تقدّر الأرقام المتداولة أن أكثر من مئة مليار دولار من الودائع جُمّدت، وأن الفجوة بين ما في الدفاتر وما في الخزائن تبلغ نحو ثمانين مليار دولار، أي ما يسمى "الفجوة المالية". وهذه تقديرات تقريبية، فالرقم النهائي يتوقف على تقييم أصول المصارف والمصرف المركزي، وهو بالذات ما يفترض أن يحسمه القانون المرتقب.

ثلاثة تشريعات وملف رابع عالق

مضت الدولة في مسار تشريعي على ثلاث مراحل. الأولى تعديل قانون السرية المصرفية في نيسان 2025، بأثر رجعي يعود إلى حسابات 2015، استجابة لشروط الصندوق. والثانية قانون إصلاح وضع المصارف، وقد أقرّ البرلمان تعديلاته في آب 2026، وقد رحّب الصندوق بالخطوة واعتبرها كبيرة لكنه حذّر من أن تنفيذها الفعلي هو المحك. أما الثالثة فهي قانون الفجوة المالية، وهو الأصعب.

وفي مطلع تشرين الأول، تعقّد المشهد قليلاً. فقد طعن رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام المجلس الدستوري في أحد التعديلات المتعلقة باستقلالية المصرف المركزي وصلاحياته، وقالت المتحدثة باسم الصندوق إنه سيقيّم أي تعديل قد ينتج عن هذه المراجعة للتأكد من توافقه مع المعايير الدولية.

ما الذي يتضمنه مشروع الفجوة المالية؟

أقرّت الحكومة المشروع في كانون الأول 2025 بأغلبية 13 وزيراً مقابل تسعة. وينصّ على أن تتقاسم الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية والمودعون الخسائر. ويتيح للمودع سحب ما يصل إلى مئة ألف دولار على أربع سنوات، فيما تُحوَّل المبالغ الأكبر إلى سندات مدعومة بأصول المصرف المركزي. وبحسب رئيس الحكومة نواف سلام، فإن من تقل ودائعهم عن مئة ألف دولار، وهم 85 في المئة من الحسابات، سيستردونها كاملة خلال أربع سنوات.

لكن المشروع لقي معارضة من جمعية المصارف ومن كتل نيابية، منها حزب الله والقوات اللبنانية، بحسب تقارير صحفية. وحذّرت المصارف من أن بعض بنوده يفوق قدرتها. ولم يكن الصندوق راضياً بالكامل عن صياغة ترتيب المطالبات، بحسب سلام نفسه.

جوهر الخلاف: من يتحمل الخسارة أولاً؟

المسألة ليست محاسبية فحسب. فكل خيار ينقل الكلفة إلى جهة مختلفة: تحميل الدولة يعني تحميل المكلفين لاحقاً، وتحميل المصارف يضرب رساميلها ومساهميها، وتحميل المصرف المركزي يهدد ميزانيته واستقراره النقدي، وتخفيض حقوق المودعين يعني خسارة مباشرة للمدّخرين. ويتمسك الصندوق بمبدأ تسلسل الخسائر: المساهمون والدائنون الأدنى رتبة يتحملون أولاً قبل المودعين، مع تجنب مساهمة من الدولة تعيد الدين العام إلى مستوى غير قابل للاستدامة.

وقد تجلّت هذه التباينات في زيارة بعثة الصندوق إلى بيروت بين 15 و18 أيلول. فقد قال رئيس مجلس النواب نبيه بري للوفد إن أي قانون يجب أن يضمن حقوق المودعين وودائعهم كاملة، فيما شدد حاكم مصرف لبنان كريم سعيد على ألا تُقطع وعود لا تستطيع المؤسسات الوفاء بها. أما وزير المالية ياسين جابر فربط انطلاق مسار استعادة الودائع بإقرار القانون، مقراً بأن الجدول البرلماني قد يؤخر البدء.

ما الذي يستردّه المودع اليوم؟

إلى أن يُقرّ القانون، يبقى المنفذ الوحيد التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان. وبحسب الحاكم، سيكون قد أُعيد إلى المودعين 8.1 مليارات دولار بحلول نهاية 2026 عبر التعميمين 158 و166. ويجدر التنبيه إلى أن هذا الرقم يعكس ما أُعيد عبر الآليات المؤقتة القائمة، وهو لا يعني حلاً نهائياً للأزمة ولا يحدد القيمة النهائية التي ستُعترف بها للودائع. كما أن السحوبات تخضع لسقوف وشروط وتتوزع على فترات.

الصندوق يشترط

يريد لبنان أولاً اتفاقاً على مستوى الخبراء مع الصندوق، سبق أن حصل عليه في نيسان 2022 دون أن يحوّله إلى برنامج تمويلي كامل لعجزه عن تنفيذ الشروط. وبحسب المتحدثة باسم الصندوق، يتطلب الاتفاق هذه المرة دخول قانون إصلاح المصارف حيز التنفيذ، وقانوناً مناسباً للفجوة المالية متوافقاً مع المعايير الدولية، وموازنة 2027، وإطاراً مالياً متوسط الأجل، وإصلاحات في الإدارة المالية والحوكمة. وقد استقبلت المديرة العامة كريستالينا غورغييفا رئيس الحكومة في واشنطن في أواخر أيلول، وهنأته على التقدم الإصلاحي.

خلفية اقتصادية ضاغطة

يجري هذا كله في اقتصاد متعثر. فقد توقع البنك الدولي في آب أن ينكمش الاقتصاد اللبناني 6.4 في المئة هذا العام بعد نمو بلغ 4.2 في المئة في 2025، وهو الأسرع منذ بدء الأزمة، وأشار إلى أن تجدد النزاع مع إسرائيل عرقل التعافي الهش. ومن المنتظر أن يحدّث الصندوق والبنك توقعاتهما لاحقاً هذا الشهر. وهذا ما يعني أن كل تأخير في الحل يرفع كلفة الانتظار، وأن مراحل الإصلاح تجري تحت ضغط خارجي لا يرحم.

ربط بالتقرير السابق

وهذا الملف يتقاطع مع ما تناولناه في تقرير العلاقات اللبنانية السورية: فمطلب دمشق بإعادة ودائع السوريين العالقة سيبقى مرهوناً بالمسار نفسه، لأن أي حل لهذه الودائع لن يكون استثناءً عن القواعد التي سيضعها قانون الفجوة المالية.

ما الذي ينبغي مراقبته؟

هذه نقاط تحليلية لا وقائع منقولة. أولاً، قرار المجلس الدستوري بشأن تعديلات قانون إصلاح المصارف، لأنه يحدد ما إذا كان الإطار سيدخل حيز التنفيذ كما هو أم يُعدَّل. ثانياً، موعد بدء البرلمان مناقشة قانون الفجوة المالية، وما إذا كانت الموازنة والمعطيات الانتخابية ستؤخر الملف. ثالثاً، النص النهائي لتسلسل الخسائر، لأنه يحدد حصة المودعين الفعلية. رابعاً، موقف الصندوق من أي صيغة مثل ضمان كل الودائع دون تحديد مصدر التمويل. وخامساً، ما إذا كانت الدولة قادرة على المساهمة دون إعادة الدين العام إلى مسار غير قابل للاستدامة.

 

بعد سبع سنوات، لم يعد السؤال هل هناك خسارة، بل كيف تُوزَّع بعدالة وبأسلوب يمكن تنفيذه. وبين وعدٍ بضمان كل الودائع لا يملك مموّله، وحذرٍ مالي يخشى أن يكون الثمن إغراقاً جديداً في الدين، يقف المودع منتظراً نصاً يعيد إليه شيئاً من الثقة قبل أن يعيد إليه أمواله. والأمر الوحيد المؤكد أن كل شهر من التأخير يزيد كلفة الحل، على المودع وعلى الاقتصاد معاً.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي