الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار العربية: فرصة للمهنة أم اختبار لصوتها؟

الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار العربية: فرصة للمهنة أم اختبار لصوتها؟

 

في كل غرفة أخبار عربية اليوم سؤال يُطرح همساً أو علناً: هل ما زلنا بحاجة إلى من يكتب الخبر، أم أن الآلة تكفي؟ ويأتي السؤال من جهتين متناقضتين: محرر مرهق يرى في الأداة منقذاً من أعباء الترجمة والتفريغ والتدقيق، وصحافي قلق يرى فيها منافساً يتقدم كل شهر. وبين الحماسة والخوف، تتشكل ممارسة جديدة لم تستقر قواعدها بعد.

صورة عالمية تتغير بسرعة

يقدّم تقرير الأخبار الرقمية لمعهد رويترز لعام 2026، المبني على نحو مئة ألف مقابلة في 48 سوقاً، مؤشرات واضحة. فقد ارتفعت نسبة من يستخدمون روبوتات الدردشة أسبوعياً للحصول على الأخبار من 7 في المئة عام 2025 إلى 10 في المئة عام 2026 عالمياً، وتبلغ النسبة 16 في المئة بين من هم دون الخامسة والثلاثين. ويؤكد التقرير أن دور هذه الأدوات ما زال ثانوياً عند معظم الناس، لكنه يتنامى. وللمرة الأولى، تتصدر وسائل التواصل وشبكات الفيديو قائمة المصادر الأكثر استخداماً للأخبار عالمياً بنسبة 54 في المئة.

أما الناشرون أنفسهم فيتوقعون أن تنخفض حركة المرور القادمة من محركات البحث بأكثر من 40 في المئة خلال السنوات الثلاث المقبلة، بحسب تقرير الاتجاهات الصادر عن المعهد في كانون الثاني الماضي، ويحذر من أن أدوات الذكاء التوليدي تتوسط بين الجمهور والصحافة الأصلية وتصعّب بناء علاقة مباشرة معه. وتقول قراءة لتقرير 2026 إن الثقة العامة بالأخبار انخفضت إلى أدنى مستوى منذ 2015، عند 37 في المئة، وإن الثقة بإجابات الذكاء الاصطناعي الإخبارية تقف عند 20 في المئة فقط، وإن 42 في المئة فحسب من مستخدمي الروبوتات للأخبار ينقرون على المصدر الأصلي. وهذا مؤشر بالغ الأهمية للمواقع الصغيرة: فمن يُقرأ ملخصه في نافذة الدردشة قد لا تصله زيارة.

الواقع العربي: تفاوت واضح

في المنطقة العربية، تبدو الصورة متفاوتة. فدراسات أكاديمية تصف الغرف العربية بأنها ما زالت تحاول فهم كيفية الاستفادة من هذه الأدوات، وأن كثيراً من الصحافيين لم يستوعبوا بعد معنى الذكاء الاصطناعي. وتشير دراسة استشرافية شملت 264 مشاركاً من 18 دولة عربية إلى أن 70.5 في المئة منهم يتوقعون أتمتة المهام الروتينية كصياغة الأخبار ومونتاج الفيديو، وأن 41.6 في المئة يعدّون كلفة التطبيق عائقاً كبيراً، فيما لا يتجاوز الاستخدام الفعلي الحالي 31.1 في المئة. وتلاحظ الأبحاث فجوة بين غرف الأخبار الممولة من اقتصادات قوية، ولا سيما في الخليج، حيث جُرّبت أتمتة الأخبار والمذيعون الافتراضيون، وغرف في اقتصادات هشة تفتقر إلى البنية والموارد.

وللغة العربية خصوصيتها: فقد رصدت دراسة صادرة عن جامعة سيتي في لندن أن روبوتات الدردشة قد تولّد معلومات غير دقيقة بالعربية، وأن النماذج تحتاج إلى تدريب على مدونات عربية متنوعة وشاملة. ونبّهت الدراسة إلى أن الغرف العاملة في بيئات سلطوية ينبغي أن تحذر من محاولات الحكومات استخدام الذكاء التوليدي لتجميل سياساتها. أما في الاستخدام اليومي فتظهر الفائدة العملية في التدقيق اللغوي، إذ أفاد مشاركون في ندوة إماراتية أن الأدوات كشفت نحو 80 في المئة من الأخطاء الإملائية في التحرير العربي.

ما الذي تُحسنه الآلة فعلاً؟

يمكن حصر الاستخدامات المفيدة في مهام مساندة: تفريغ التسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو، وترجمة المصادر الأجنبية كمسودة أولى، واقتراح عناوين بديلة، وتلخيص وثائق طويلة لتحديد ما يستحق القراءة، وتدقيق اللغة والأسلوب، وفرز الجداول والبيانات، وتحويل مادة واحدة إلى صيغ متعددة كنشرة بريدية أو نص فيديو. وهذه كلها تحرر وقت الصحافي لما لا تستطيعه الآلة: التحقق والسؤال والذهاب إلى المكان.

وأين تخطئ؟

تتركز المخاطر في ثلاثة مواضع. الأول الخطأ الواثق: فالنموذج قد يخترع رقماً أو اقتباساً أو اسماً أو مصدراً بصياغة مقنعة، وهذا أخطر ما في الأمر لأن الخطأ لا يبدو خطأ. والثاني التحيز والتبسيط: فالنماذج تعكس ما تدرب عليه، وقد تنحاز في توصيف النزاعات والمجتمعات في المنطقة أو تسطّح تعقيدها، وتتعثر أمام اللهجات والسياقات المحلية. والثالث تآكل الصوت: فحين تكتب كل المواقع بالأداة نفسها تتشابه النصوص وتفقد المنصات تميزها، ويضيع ما يجعل القارئ يعود إلى موقع بعينه.

كيف يحافظ موقع صغير على صوته؟

الإجابة ليست الامتناع عن الأدوات ولا الاستسلام لها، بل ميثاق تحريري واضح. أولاً، لا خبر ولا رقم ولا اقتباس يُنشر دون تحقق من مصدر أصلي بشري، فالآلة تقترح والمحرر يتحقق. ثانياً، الإفصاح عن الاستخدام حين يكون جوهرياً، لأن الثقة هي الأصل الذي يتنافس عليه الناشرون الصغار. ثالثاً، حصر الاستخدام في المهام المساندة، وإبقاء الكتابة التحليلية والتحقيقية والرأي في يد الصحافي. رابعاً، عدم نشر صور أو أصوات مولّدة على أنها حقيقية، ووسم أي مادة مصنّعة بوضوح. خامساً، حماية المصادر والبيانات الحساسة، فلا تُرفع وثيقة سرية أو معلومات شخصية إلى أي أداة خارجية دون تقدير للمخاطر. وسادساً، التركيز على ما لا تقلده الآلة بسهولة: القصة المحلية والمصدر المباشر والخبرة والنبرة الخاصة. وهذا ما يخلص إليه معهد رويترز أيضاً حين يرصد توجه ناشرين نحو التحقيقات الأصلية والسياق العميق والصوت الإنساني.

وفي زمن تتراجع فيه زيارات البحث، تبرز قيمة العلاقة المباشرة مع القارئ: نشرة بريدية وتطبيق ومجموعة تواصل وقائمة قراء أوفياء. فهذه قنوات لا يتوسط فيها ملخص آلي.

بعد إقليمي ومحلي

في لبنان، حيث تتقلص الميزانيات وتتراجع الإعلانات منذ سنوات، يغري الذكاء الاصطناعي بتعويض نقص الكوادر. وهذا مفهوم، لكنه خطر إذا تحول إلى بديل عن الصحافي بدل أن يكون عوناً له. فالمعلومة المحلية الدقيقة، كاسم مختار أو موعد مهرجان أو حيثيات قرار بلدي، هي بالضبط ما لا تعرفه النماذج، وما يصنع قيمة الموقع المحلي.

 

الذكاء الاصطناعي لن يقتل الصحافة، لكنه سيكشف بسرعة أي صحافة لم تكن تقول شيئاً أصلاً. فالنص الذي يمكن أن تنتجه الآلة في ثوانٍ، بلا معاينة ولا مصدر ولا زاوية، هو نص كان القارئ قادراً على الاستغناء عنه أصلاً. أما من يملك خبراً حصرياً أو قراءة بصيرة أو ثقة جمهور بُنيت بصدق، فيملك ما لا تملكه خوارزمية. وربما كان الامتحان الحقيقي لغرف الأخبار العربية، كبيرها وصغيرها، أن تستخدم الأداة كما يستخدم النجار الفأس: لتسريع العمل لا لتغيير هوية الصانع.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي