خاص ايكون نيوز
الدولة لم تعطِ اللبناني كهرباء… وحين وجد الشمس طلبت منه إذناً
سنوات طويلة عاش اللبناني على توقيت العتمة. دفع فاتورة كهرباء لا تأتي، وفاتورة مولد لا ترحم، ثم فتح ما بقي من مدخراته واشترى بطاريات وإنفرتر وألواحاً شمسية، ليصنع بماله الخاص حلاً لأزمة عجزت الدولة عن حلها.
وحين انتهى تقريباً من بناء "دولته الكهربائية" الصغيرة فوق سطح منزله، حضرت الدولة. ليس لتقول له: "أصبح لدينا كهرباء"، بل لتقول له: "قبل أن تركب الألواح، هناك معاملة".
القرار المشترك الصادر عن وزراء الداخلية والبلديات والأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه ينظم تركيب أنظمة الطاقة الشمسية التي تقل قدرتها الإنتاجية عن 1.5 ميغاواط. القرار يلزم صاحب العلاقة بتقديم طلب إلى البلدية أو القائمقام، مرفقاً بمستندات وإفادات هندسية، مع إشراف مهندسين مختصين على التنفيذ وتقديم إفادة نهائية تؤكد صلاحية النظام ومطابقته لشروط السلامة.
ولكي نكون منصفين: تنظيم هذا القطاع ليس ترفاً. الألواح والهياكل المعدنية والأجهزة الكهربائية قد تتحول، إذا رُكبت بطريقة عشوائية، إلى خطر داهم على الأبنية والناس. والسلامة الإنشائية والكهربائية مسؤولية لا يجوز الاستهتار بها.
لكن المشكلة ليست في مبدأ السلامة. المشكلة في دولة تطلب التنظيم بعد أن تركت المواطن وحيداً أمام أصل المشكلة. فاللبناني لم يذهب إلى الطاقة الشمسية بحثاً عن رفاهية، بل لأن مؤسسة كهرباء لبنان لم تستطع أن تمنحه خدمة مستقرة، ولأن فاتورة المولد تحولت إلى عبء شهري خانق، ولأن الكهرباء في القرن الحادي والعشرين أصبحت بالنسبة إليه مشروعاً شخصياً يموله من جيبه.
والآن، حتى هذا المشروع الشخصي دخل المسار الإداري المعقد: مهندس إنشائي، ومهندس كهربائي أو كهروميكانيكي، ومستندات ومخططات، وبلدية أو قائمقام، وموافقة، وإشراف على التنفيذ، ثم إفادة نهائية بعد إنجازه. وعلى البلدية أو القائمقام البت بالطلب خلال 15 يوماً، فيما تسقط الموافقة إذا لم يُنجَز المشروع خلال سنة ويصبح على صاحبه تقديم طلب جديد.
وزارة الطاقة سارعت، بعد الجدل، إلى التوضيح. قالت إن القرار مؤقت إلى حين صدور الإجراءات والمعايير التي تعدها هيئة تنظيم قطاع الكهرباء، وإن إفادات تحمل مسؤولية من المهندسين وإفادة الارتفاق والتخطيط كانت مطلوبة سابقاً ولم يستحدثها القرار، ولذلك لا توجد، وفق الوزارة، تكاليف إضافية على المواطنين من هذه الناحية.
وهنا يصبح السؤال أدق من شعار "ضريبة على الشمس". لا يوجد في ما تحققنا منه ما يسمح بالقول إن الدولة فرضت ضريبة جديدة على أشعة الشمس أو رسماً جديداً على كل لوح شمسي. لكن هناك ما يكفي للسؤال عن فلسفة الإدارة اللبنانية نفسها.
لماذا لا تضع الدولة مساراً بالغ البساطة للأنظمة المنزلية الصغيرة، مختلفاً تماماً عن المشاريع التي تقترب قدرتها من 1.5 ميغاواط؟ وهل يعقل أن تُوضع محطة صغيرة فوق منزل مواطن، ومشروع يقترب من قدرة منشأة إنتاج كبيرة، تحت سقف تنظيمي واحد؟
الأهم: هل ستكون المعاملة فعلاً سريعة وشفافة ومحصورة بالسلامة، أم ستولد مع الوقت حلقة جديدة من المعاملات والأتعاب والتأخير؟
هذه الأسئلة ليست اتهاما لأحد، لكن اللبناني يعرف دولته. ويعرف كيف تبدأ الأمور بعنوان جميل وتنتهي بطابور. من هنا تعود إلى الذاكرة "ضريبة الواتساب" في تشرين الأول 2019. المقارنة ليست قانونية ولا مالية؛ فالقرار الحالي ليس ضريبة واتساب جديدة. لكنها مقارنة سياسية في علاقة السلطة بالمواطن: حين تعجز الدولة عن تقديم خدمة أساسية، ثم تظهر فجأة عند الحل الذي ابتكره المواطن لنفسه، يصبح الاستفزاز أكبر من قيمة أي رسم أو معاملة.
وهذا ما ينبغي أن تنتبه إليه الحكومة. فالناس لا تعترض على أن يكون اللوح مثبتاً جيداً كي لا يسقط فوق رؤوس المارة، ولا على أن تكون التمديدات الكهربائية آمنة. لكنهم يسألون سؤالاً أبسط: أين كانت كل هذه الدولة عندما كنا في العتمة؟
كان المواطن وحده عندما اشترى المولد. وحده عندما دفع ثمن المازوت. وحده عندما اشترى البطارية والإنفرتر. وحده عندما دفع آلاف الدولارات كي يرى الضوء في منزله. واليوم، عندما وجد الشمس مجانية في السماء، وجد الدولة تنتظره على السطح.
سلامة الناس واجب. أما تحويل السلامة إلى بيروقراطية جديدة، إن حصل، فسيكون خطأً فادحاً. لذلك لا تسمّوها اليوم "ضريبة الشمس"، لأن ذلك غير مثبت. سمّوها اختباراً للدولة. إما أن تجعل التنظيم بسيطاً وسريعاً ومجانياً قدر الإمكان فتثبت أنها جاءت لتحمي المواطن، وإما أن يتحول الملف إلى معاملات وأتعاب وتأخير، وعندها لن تحتاج الدولة إلى من يذكّرها بضريبة الواتساب. اللبناني سيتذكرها وحده.
فالدولة لم تعطِه الكهرباء. وحين صنع كهرباءه بنفسه، وصلت لتسأله عن أوراق الشمس.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :