ايكون نيوز
هرمز لم يعد مضيقًا فقط.. إيران تحاول تحويل الجغرافيا إلى سلطة
لم تعد المعركة حول مضيق هرمز محصورة في السؤال التقليدي: هل تغلقه إيران أم تفتحه؟
المشهد الذي يتشكل اليوم أخطر وأعمق. طهران تحاول الانتقال من استخدام هرمز كورقة تهديد عسكرية إلى تكريس دور دائم لها في إدارة حركة السفن والخدمات والأمن داخل واحد من أهم شرايين الطاقة في العالم.
وهنا تحديدًا تبدأ المعركة الحقيقية.
إيران وسلطنة عُمان أعلنتا في 25 آب التفاهم على إطار مرحلي يتضمن إنشاء ممر ملاحي مؤقت مشترك، ومشروعًا مشتركًا لإزالة الألغام، على أن تستمر المفاوضات للوصول إلى ممر دائم وترتيبات مستقبلية لإدارة المضيق وتبادل المعلومات وإدارة حركة السفن وتوفير الخدمات الملاحية والأمنية. وهذه ليست تسريبات؛ بل وردت في البيان الرسمي المشترك.
من «إغلاق هرمز» إلى «من يدير هرمز؟»
هذه النقلة هي جوهر القصة.
فإذا كانت طهران تستطيع فرض مسار محدد للسفن، والحصول على معلوماتها، والمشاركة في تنظيم المرور وتوفير الخدمات الأمنية والملاحية، فإنها تكون قد انتقلت سياسيًا من مجرد دولة مطلة على المضيق إلى لاعب يصعب تجاوز موافقته في ترتيبات الملاحة الجديدة.
إيران أعلنت أن الممر المؤقت المقترح سيكون بعرض نحو 7 أميال، وأن أجزاء من حركة الدخول والخروج ستجري في مياهها الإقليمية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الاتفاق على الممر لا يعني أن هرمز عاد إلى وضعه الطبيعي أو فُتح بالكامل.
والأخطر أن طهران أعلنت قبل أيام إدراج 45 ناقلة على قائمة مخالفة لقواعدها، مع التهديد بالغرامات والاحتجاز ومصادرة الشحنات، مطالبة السفن بالحصول على موافقات والالتزام بقواعد العبور التي وضعتها.
عقدة الرسوم
هنا تبدأ المواجهة القانونية والسياسية مع واشنطن.
البرلمان الإيراني تحدث عن رسوم مقابل خدمات تشمل الملاحة والأمن والبيئة والتأمين والتزود بالوقود في حالات معينة، فيما تشير التقارير إلى أن شكل الرسوم وقيمتها لا يزالان موضع خلاف وتفاوض.
وعُمان، في المقابل، فرّقت بوضوح بين أمرين: فرض رسم على مجرد عبور المضيق، وهو ما ترفضه، وبين إمكان تقديم خدمات بحرية اختيارية يمكن أن تكون لها تكاليف. كما أكدت مسقط سابقًا التزامها بحرية الملاحة من دون فرض رسوم عبور.
هذا التفصيل ليس تقنيًا.
لأن تحويل «الرسم» إلى مقابل لخدمات أمن وتأمين وملاحة قد يصبح الطريق الذي تحاول من خلاله إيران تحقيق عائد اقتصادي ونفوذ تنظيمي من دون تسميته رسم عبور مباشرًا.
واشنطن تقول: لا
الولايات المتحدة فهمت مبكرًا خطورة المسألة.
وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على ما يسمى «سلطة مضيق الخليج الفارسي» وشركات مرتبطة بخدمات التأمين والعبور، وتعتبر واشنطن أن هذه المنظومة محاولة إيرانية لتحقيق إيرادات وفرض سيطرة على حركة الملاحة. كما حذرت OFAC من أن دفع رسوم أو تلقي ضمانات وخدمات مرور من الحكومة الإيرانية أو الحرس الثوري قد يعرّض المتعاملين لمخاطر العقوبات الأميركية.
وهكذا أصبحت السفينة التي تريد المرور بين فكي كماشة:
إيران تقول لها عمليًا: التزمي بقواعدي.
وواشنطن تقول لها: التعامل مع بعض الجهات الإيرانية لتنفيذ تلك القواعد قد يعرّضك للعقوبات.
وهنا تتحول أزمة هرمز من مواجهة بحرية إلى مواجهة على من يملك حق كتابة قواعد المرور.
لماذا هرمز أثقل من مجرد ممر نفطي؟
لأن نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية كان يعبر المضيق في الظروف الطبيعية، ولذلك فإن أي تغيير في قواعد الملاحة لا يبقى قضية إيرانية خليجية، بل يصل مباشرة إلى أسعار الطاقة والتأمين والشحن والاقتصاد العالمي.
ولهذا أيضًا لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق بالكامل كي تمتلك ورقة ضغط هائلة.
يكفي أن يصبح مرور السفينة مرتبطًا بمسار وموافقة ومعلومات وخدمات أمنية وتأمين، حتى تتغير المعادلة.
إيران تحاول تحويل القوة العسكرية إلى مكسب سياسي
الزاوية الأهم:
إغلاق هرمز بالقوة يمكن أن يستمر أيامًا أو أشهرًا، لكنه يبقى وضعًا استثنائيًا قابلًا للانفجار عسكريًا.
أما الحصول عبر المفاوضات على دور معترف به في إدارة الملاحة، فشيء مختلف تمامًا.
إنه محاولة لتحويل ما فرضته الحرب إلى قاعدة في مرحلة ما بعد الحرب.
ولهذا فإن الخلاف الحقيقي لم يعد بين «مضيق مفتوح» و«مضيق مغلق»، وإنما بين نموذجين:
واشنطن تريد العودة إلى مبدأ حرية الملاحة بحيث تعبر السفن من دون إذن أو رسوم إيرانية.
وطهران تريد ترتيبات تجعلها جزءًا أساسيًا من منظومة الإدارة والأمن والخدمات والمرور.
أما عُمان فتقف في المساحة الدقيقة بينهما، محاولة إنتاج صيغة تفتح الشريان العالمي من دون تفجير مواجهة جديدة، وتحافظ في الوقت نفسه على القانون الدولي وحقوق الدول الساحلية.
ومن يربح؟
إذا انتهت الأزمة بعودة الملاحة كما كانت تمامًا قبل الحرب، تكون إيران قد استخدمت هرمز كورقة ضغط ثم تخلت عنها.
أما إذا انتهت بممر جديد، وإدارة مشتركة، وآلية معلومات، ودور إيراني في الخدمات والأمن وتنظيم الحركة، فستكون طهران قد انتزعت شيئًا أكبر بكثير من رسم مالي على ناقلة نفط:
اعترافًا عمليًا بأن أمن هرمز لا يمكن ترتيبه من دونها.
وهذا بالتحديد ما يجعل المعركة الحالية على المضيق واحدة من أهم معارك ما بعد الحرب.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :