خاص ايكون نيوز
من يملأ الفراغ في الجنوب؟ ما بعد اليونيفيل أخطر من معركة التجديد
لم تعد المسألة في جنوب لبنان محصورة بسؤال: هل تُمدَّد مهمة اليونيفيل أم لا؟
السؤال الأكثر خطورة بات: ماذا سيحدث في اليوم التالي إذا بدأت القوة الدولية بالانكفاء، ومن سيتولى ملء المساحة الأمنية والسياسية التي شغلتها منذ عقود؟
فخلف النقاش الدائر في مجلس الأمن حول مستقبل القوة الدولية، تبدو معركة أخرى أكثر تعقيدًا تتشكل بهدوء، تتصل بشكل الجنوب في المرحلة المقبلة، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل الوجود الدولي، والأهم: حدود الحركة الإسرائيلية إذا تقلص الحضور الأممي.
المعلومات المتداولة عن المناقشات الجارية تشير إلى أن البحث لا يقتصر على تمديد تقني تقليدي، بل يتناول سيناريوهات مختلفة لمستقبل الوجود الدولي في لبنان، بما فيها نماذج لقوة أصغر حجمًا أو إعادة صياغة المهمة التي تؤديها الأمم المتحدة جنوب الليطاني.
وهنا تكمن العقدة.
اليونيفيل ليست قوة قادرة عسكريًا على منع إسرائيل من شن الغارات أو تنفيذ الاعتداءات، وهذا أمر أثبتته الوقائع مرارًا، لكنها في الوقت نفسه تشكل شاهدًا دوليًا مباشرًا على الأرض، وتنتشر في مساحة شديدة الحساسية بين الحدود والقرى اللبنانية.
ولهذا فإن تقليص وجودها أو تغيير طبيعة مهمتها ليس تفصيلًا إداريًا.
فالفراغ لا يبقى فراغًا طويلًا.
إذا انكفأت القوة الدولية من نقاط أو قطاعات معينة، سيصبح السؤال سريعًا: هل يستطيع الجيش اللبناني الانتشار مكانها بالعدد والإمكانات المطلوبة؟ وهل ستُمنح إسرائيل عمليًا مساحة أوسع للحركة تحت عنوان «الضرورات الأمنية»؟ وهل يتحول المؤقت، مرة أخرى، إلى واقع جديد على الأرض؟
هذه الأسئلة تكتسب خطورتها في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعدم اكتمال الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ما يجعل أي حديث عن إعادة ترتيب الوضع جنوبًا منفصلًا عن الانسحاب ووقف الاعتداءات معادلة ناقصة منذ البداية.
والأكثر حساسية أن لبنان قد يجد نفسه أمام محاولة لنقل النقاش من أصل المشكلة إلى نتائجها.
فبدل أن يكون السؤال الدولي الأول: متى تنسحب إسرائيل بالكامل وتتوقف الاعتداءات؟
قد يصبح السؤال: كيف نعيد تنظيم الأمن جنوب الليطاني؟
والفرق بين السؤالين سياسي واستراتيجي هائل.
الأول يضع الاحتلال والاعتداءات في قلب المشكلة، أما الثاني فيفتح الباب أمام تحويل لبنان نفسه إلى موضوع للمعالجة الأمنية، وكأن المطلوب منه باستمرار تقديم ضمانات جديدة بينما تبقى الضمانة الأساسية، أي احترام سيادته وحدوده، معلقة.
ومن هنا تصبح معركة مجلس الأمن أبعد بكثير من أعداد الجنود أو مدة التمديد.
إنها معركة على المرجعية التي ستحكم الجنوب في السنوات المقبلة.
هل يبقى القرار 1701 إطارًا متكاملًا يبدأ من احترام السيادة ووقف الأعمال العدائية وانسحاب القوات الإسرائيلية؟
أم يجري تفكيكه عمليًا إلى بند واحد يتركز على ما يفعله لبنان داخل أرضه، فيما تتحول الخروقات الإسرائيلية إلى أمر تتم إدارته بدل منعه؟
وفي خلفية المشهد، ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها: أي ترتيب أمني لا يأخذ في الاعتبار واقع الحدود والاحتلال والاعتداءات المستمرة لن ينتج استقرارًا طويل الأمد، مهما بلغ عدد القوات المنتشرة ومهما تغير لون الخوذ التي ترتديها.
لبنان يحتاج إلى جيش قوي وقادر على الانتشار وحماية الحدود والسيادة، لكنه يحتاج أيضًا إلى مظلة دولية لا تتحول مهمتها إلى مراقبة الجانب اللبناني وحده.
فالجيش لا يمكن أن يكون بديلًا عن الانسحاب الإسرائيلي، كما أن اليونيفيل لا يمكن أن تكون بديلًا عن السيادة.
لهذا قد يكون السؤال الذي ينبغي على بيروت أن تطرحه قبل الدخول في أي صيغة جديدة واضحًا وبسيطًا:
ماذا سيحصل في المقابل؟
إذا كان المطلوب من لبنان ترتيبات جديدة، فما هو الجدول الزمني للانسحاب الإسرائيلي الكامل؟
إذا كان المطلوب تعزيز انتشار الجيش، فمن يضمن وقف الاعتداءات والغارات؟
وإذا كان المجتمع الدولي يريد جنوبًا مستقرًا، فهل سيطبق قواعد الاستقرار على الطرفين أم سيطالب لبنان وحده بتقديم الضمانات؟
هنا تحديدًا تكمن معركة «اليوم التالي لليونيفيل».
فالخطر ليس فقط أن يرحل جنود دوليون.
الخطر الحقيقي أن يرحلوا قبل تثبيت قواعد تمنع إسرائيل من تحويل المساحة التي يتركونها إلى مساحة مفتوحة لفرض وقائع جديدة.
وعندها لن يكون لبنان أمام فراغ أمني فحسب، بل أمام محاولة جديدة لإعادة رسم قواعد الجنوب خطوة خطوة ومن دون إعلان رسمي.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :