الدكتور طلال حاطوم
امين سر نقابة الصحافة اللبنانية
سيدي الامام
ما أمس الحاجة الى رؤياك ورؤيتك..
نقرأ افكارك ونحفظ العناوين التي اطلقتها، فنرى بعدك الرؤيوي وصواب نهجك لحماية وطن تنهشه الهواجس وتأكله المصالح.
ناديت بالدولة العادلة منذ 50 عاماً ولا يزال الصوت صدى في برية الوطن، رغم كل محاولات الامين النبيه الرئيس نبيه بري لاصلاح صورة منكسرة لدولة تبحث عن ذاتها في خضم متلاطم موج الانانيات والمصالح الضيقة، فلا ترسو على بر امان.
لو استمعوا الى مزاميرك لوفروا على الوطن الويلات.
كلهم يعودون اليك عند الشدة، ويتغنون بمطالبك الاصلاحية التي تحولت دستوراً لوطن يحاول الامساك بناصية ارادته لحماية العيش المشترك والسلم الاهلي والاستقرار والطمأنينة.
كيف يغيب الفكر والنهج وهو زرع يثمر في كل حين؟
نطمئن ان خطك ونهجك وفكرك وومواقفك محفوظة في كتاب الوطن
ويستمر في كتابتها ايقونة حامية من صيبة العين امينك الرئيس نبيه بري.
ها هي ذكرى التغييب تقترب والغياب لا يزال سوطاً يجلد حياتنا.
نردد: ننتظر، يا سيد، العودة، ولن نمل.
***
وبعد،
يُمثل فكر الإمام موسى الصدر مشروعاً إنقاذياً وتنموياً متكاملاً لبناء الدولة اللبنانية، حيث ترابطت فيه الرؤية الدستورية والسياسية بالعدالة الاجتماعية والدفاع الوطني، وتحولت طروحاته النظرية إلى بنود إصلاحية ومشاريع تنموية وعسكرية ملموسة، شكلت لاحقاً الركائز الأساسية للدستور اللبناني المعاصر وثقافة المقاومة الوطنية.
تنطلق الرؤية السياسية للإمام المغيب السيد موسى الصدر من مفهوم "الدولة العادلة والقوية" القائمة على المواطنة والتنوع؛ حيث اعتبر أن "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه" كقاعدة أساسية لتطمين جميع المكونات، ونادى بتجاوز الطائفية السياسية التي حوّلت البلاد إلى فيدرالية طوائف، داعياً إلى اعتماد الكفاءة والمواطنة المتساوية كأساس للحقوق والواجبات، ومعتبراً أن "الطوائف نعمة، والطائفية نقمة".
ولم ينفصل هذا الجانب القانوني والتشريعي لديه عن الواقع المعيشي والإنساني؛ إذ ربط استقرار الدولة بالقضاء على "الحرمان" وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنماء المتوازن للمناطق المهملة (كالجنوب والبقاع وعكار)، معارضاً الرأسمالية المتوحشة والإقطاع السياسي والاقتصادي الذي يفرغ الأطراف، ويهدد السلم الأهلي، ويقوض بنيان الوطن.
وقد تُرجمت هذه الرؤية الاقتصادية، الدستورية، والدفاعية عبر أربعة مسارات متكاملة:
أولاً: المسار العملي التنموي (مؤسسات جبل عامل)
لم ينتظر الإمام المغيب السيد موسى الصدر استجابة الدولة الرسمية، بل بادر إلى تطبيق رؤيته الاقتصادية التكافلية بمحاربة الفقر عبر التمكين والتنمية المستدامة، فأسس "مؤسسات جبل عامل المهنية" في صور. وجسدت هذه المؤسسات فكره التكافلي في الانتقال من مبدأ "الرعاية والإحسان العابر" إلى "التمكين والإنتاج المستدام"، من خلال تعليم شبان وفتيات الجنوب المهن التقنية، الصناعية، والتكنولوجية، لتحويل "المحروم" إلى عنصر منتج ومستقل اقتصادياً. ومن خلال هذا المشروع، نجح الإمام في كسر احتكار النخب للمعرفة وتوفير تعليم مجاني عالي الجودة لأبناء المزارعين والفقراء، مما سمح بصعود طبقة وسطى متعلمة غير مرتهنة للإقطاع السياسي، وساهم في تثبيت الجنوبيين في أرضهم والحد من الهجرة الريفية نحو "أحزمة البؤس" حول العاصمة.
ثانياً: الموقف من المقاومة والدفاع عن الجنوب
تُعد قضية الدفاع عن الجنوب ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية ركيزة وجودية في فكر الإمام المغيب السيد موسى الصدر، حيث لم ينظر للمقاومة كخيار سياسي بل كواجب ديني وأخلاقي ووطني.
ويمكن تلخيص ثنائية الدولة والمقاومة لديه في النقاط التالية:
1. دعم الجيش اللبناني: كان الإمام المغيب السيد موسى الصدر من أشد الداعمين للمؤسسة العسكرية، وطالب الدولة مراراً بتسليح الجيش اللبناني وتحويله إلى قوة قادرة على حماية الحدود وصون السيادة، معتبراً أن الدفاع هو أولى واجبات الدولة.
2. المقاومة كحالة مساندة لا بديلة: أمام تقاعس السلطة الرسمية وعجزها عن حماية القرى الحدودية في سبعينيات القرن الماضي، أطلق الإمام المغيب السيد موسى الصدر شعاره الشهير "إسرائيل شر مطلق"، وأسس "أفواج المقاومة اللبنانية (أمل)" عام 1975 كقوة شعبية لردع الاحتلال.
3. التماهي مع مؤسسات الدولة: كانت رؤية الإمام للمقاومة واضحة ومحددة؛ فهي حركة دفاعية فرضتها ظروف الاحتلال وغياب الدولة، على أن تنتهي وتذوب في مؤسسات الشرعية بمجرد قيام دولة قوية وقادرة على حماية أرضها وشعبها.
4. صمود الجنوبيين كفعل مقاومة: اعتبر الإمام المعيب السيد موسى الصدر أن بقاء المزارع الجنوبي في أرضه وتأمين مقومات صموده الاقتصادي والاجتماعي هو الوجه الآخر للمقاومة، ولذلك كان يربط دائماً بين المقاومة والتنمية.
ثالثاً: المسار السياسي التشريعي
على الصعيد التشريعي، أقرّ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى برئاسة الإمام المغيب السيد موسى الصدر "وثيقة المطالب التاريخية" في 11 أيار 1977، والتي كانت مشروعاً وطنياً متكاملاً لتعديل النظام اللبناني وتفادي الحرب الأهلية.
وتضمنت الوثيقة ركائز دستورية وإصلاحية بارزة أهمها:
- إصلاح النظام الانتخابي: المطالبة بقانون انتخابي يعتمد على النسبية وجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة (أو دوائر موسعة) لكسر المحاصصة الطائفية والإقطاع السياسي.
- تعديل آلية صنع القرار: المشاركة الحقيقية في السلطة الإجرائية وإعادة النظر في صلاحيات الرئاسات الثلاث لضمان التوازن.
- إنشاء مجلس اقتصادي اجتماعي: مأسسة الحوار بين القطاعات الإنتاجية والدولة لتخطيط السياسات الاقتصادية بعيداً عن الكيد السياسي.
- الإنماء والدفاع الممنهج: إلزام الدولة بوضع خطة دفاعية واضحة وعسكرية للجنوب، وتأسيس هيئات إدارية مستقلة (كـ "مجلس الجنوب") لضمان وصول أموال التنمية للأطراف مباشرة.
رابعاً: التقاطع مع "الوثيقة الدستورية لعام 1976"
تقاطعت مطالب الإمام الصدر بشكل وثيق مع "الوثيقة الدستورية" التي أعلنتها الدولة اللبنانية عام 1976 كمحاولة للحل؛ حيث شكلت أفكاره الروح الناظمة لعديد من بنودها من خلال:
- تثبيت عروبة لبنان: تبني مقولته في بندها الأول بأن "لبنان بلد عربي، سيد، حر، مستقل". بعد ان كانت "لبنان ذو وجه عربي".
- توازن السلطة التنفيذية: النص على انتخاب رئيس الوزراء من قِبل مجلس النواب وتوقيع المراسيم بشكل مشترك للحد من التفرد الرئاسي.
- المناصفة وإلغاء الطائفية: إقرار المناصفة التامة بين المسلمين والمسيحيين في البرلمان، وإلغاء الطائفية الوظيفية في الإدارات العامة مع وضع مرحلية واقعية لحماية السلم الأهلي.
- مكافحة الحرمان: التزام الحكم بوضع خطة إنمائية شاملة تؤمن الخدمات الأساسية (كالتعليم والطبابة) كواجب دستوري.
خامساً: تحول مطالب الامام الصدر إلى ركائز في "اتفاق الطائف" (1989)
تحولت البنود المشتركة والرؤى الفكرية للإمام المغيب السيد موسى الصدر لاحقاً إلى الركائز البنيوية لـ "اتفاق الطائف"، والذي أصبح الدستور الجديد للجمهورية اللبنانية، متجسداً في نصوص دستورية ملزمة:
- دستورية هوية الوطن: أصبحت صيغته المزدوجة المقدمة الرسمية للدستور (المادة "أ" و"ب"): "لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه" و"لبنان عربي الهوية والانتماء".
- مأسسة السلطة الإجرائية والمناصفة: نقل السلطة الإجرائية كاملة إلى "مجلس الوزراء مجتمعاً"، واعتماد المناصفة الفعلية في مقاعد البرلمان ووظائف الفئة الأولى تكريساً للشراكة الحقيقية.
- خارطة طريق إلغاء الطائفية: تبني الدستور (المادة 22 و95) رؤيته بالتدرج عبر نص وجوب تشكيل "الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية" واستحداث "مجلس شيوخ" للعائلات الروحية، وهما لا يزالان ينتظران التوافق الوطني حولهما.
- دسترة الإنماء المتوازن: أُدرجت أفكار الامام المغيب السيد موسى الصدر التنموية كمبدأ في مقدمة الدستور (الفقرة "ز"): "الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام".
- شرعية العيش المشترك: تبنى المشرعون شعار الإمام الأخلاقي حرفياً وجرى تثبيته في الفقرة (ي) من مقدمة الدستور اللبناني الحالي: "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". لتظل أفكاره الضمانة القانونية والأخلاقية العليا لحماية الكيان اللبناني.
سيدي الامام، هذا بعض من فيضك.
ليس كل ما ناديت به بلا كلل ولا ملل تحقق.. ولكنه حجر اساس لمستقبل وطننا..
ولا كل ما تمنيته لوطن اردته عزيزا كريما حرا سيدا مستقلاً.. تمت ترجمته..
ولا يزال الرئيس نبيه بري يحمل جمر الانتظار وكتاب الافكار..
ويحمي الوطن من صيبة العين.
ننتظر على امل اللقاء.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :