بعد خمسين عاماً على إنتاجه، لا يزال «الرسالة» لمصطفى العقاد المرجع البصري الأبرز للإسلام في السينما العربية. ملحمة صُوّرت بنسختين عربية وإنكليزية، وحوّلت منع تجسيد النبي إلى حلّ سينمائي مبتكر، لكنها قدّمت أيضاً رواية انتقائية للإسلام الأول، فيما بقي تأثيرها حاضراً في كل ما أُنتج بعدها تقريباً
الكاميرا تتقدّم في السوق، والناس يفسحون لها الطريق. لا صوت ولا وجه، لحن من موريس جار يرتفع، وعيون الممثلين تنظر إلينا مباشرة، كأننا نحن من يمرّ. هكذا حلّ مصطفى العقاد (1930 ــ 2005) عام 1976 مشكلة كيفية صناعة ملحمة عن رجل لا يجوز إظهاره. أن يجعل النبيّ محمد هو الكاميرا، أن يحوّل المنع الديني إلى اختيار جمالي. خمسون عاماً مرّت، ولا يزال هذا الحلّ من أذكى ما أنتجته السينما العربية، ولا يزال فيلم «الرسالة» (1976) حاضراً في كل رمضان وكل بيت، على نحو لم يبلغه أي فيلم عربي آخر.
العقاد من حلب، درس السينما في كاليفورنيا على يد سام بيكنبا، ثم قرّر أن يقدّم للغرب قصّة الإسلام بلغة الغرب نفسها، أي بميزانية ضخمة، ونجوم من الصف الأول، ومدير تصوير بريطاني من طراز جاك هيلديارد، وموسيقى من مؤلّف «لورنس العرب». صوّر العقاد الفيلم مرّتين، حرفياً. في الديكورات نفسها وأمام الكاميرا نفسها، كان الطاقم الإنكليزي يؤدي المشهد ثم يخرج، ليدخل الطاقم العربي ويؤديه مجدداً. لا دبلجة ولا ترجمة: فيلمان متوازيان بسيناريو واحد كتبه هاري كريغ بالإنكليزية، وأعاد صياغته عربياً توفيق الحكيم وعبد الحميد جودة السحّار وعبد الرحمن الشرقاوي.

في النسخة الإنكليزية، أنتوني كوين/ حمزة، وإيرين باباس/ هند، ومايكل أنصارا/ أبو سفيان، وجوني سيكا/ بلال، وداميان توماس/ زيد. في النسخة العربية، عبد الله غيث/ حمزة، ومنى واصف/ هند، وحمدي غيث/ أبو سفيان، وأحمد مرعي/ زيد. وليس الفارق بين النسختين هو اللغة فقط. يؤدي كوين دور حمزة كما أدّى زوربا وزاباتا بطلاً غربياً من طراز الرجل الكبير الذي يحمل الحكاية على كتفيه. أما عبد الله غيث، فيأتي بحمزة من جسد المسرح المصري وصوته، فيخرج الشخص أقرب إلى الأرض وأكثر حرارة. وهند عند باباس تراجيديا يونانية، وعند منى واصف امرأة من هذه البلاد تعرفها جيداً.

لم يكن هناك من يريد تمويل الفيلم. الوحيد الذي فتح خزينته وصحراءه كان معمّر القذافي، فاكتمل الفيلم في ليبيا. تصوير هيلديارد للصحراء، لحن جار الذي صار بذاته علامة على حضور النبي، والمعارك المصوّرة بحس ملحمي حقيقي، وتلك الجرأة البنيوية في البدء من النهاية، بالرسل الثلاثة إلى هرقل وكسرى والمقوقس، قبل العودة إلى غار حراء. وكانت إعادة بناء مكة الجاهلية بأصنامها الثلاثمئة وسوقها وقوافلها من أدقّ ما قدّمته السينما التاريخية عن عالم قبل الإسلام. يفهم الفيلم أنّ الإسلام الأول كان ثورة اجتماعية، وأنّ الأتباع الأوائل كانوا شباناً وعبيداً وفقراء. هذا الإسلام الاجتماعي، إسلام بلال وعمّار وسميّة، هو الذي يحرّك الفيلم.
لكنّ الفيلم صامت عن أشياء كثيرة. لا خديجة على الشاشة، ولا فاطمة، ولا علي إلا كسيف في بدر، ولا أبا بكر إلا لحظة عتق بلال. الخلفاء الراشدون محذوفون، والنتيجة أنّ الإسلام الأول يبدو كأنّه صُنع على يد حمزة وزيد وبلال وحدهم. «الرسالة» هو الإسلام في صيغته المتّفق عليها، والثمن كان ملحمة بلا صراع داخلي، وبطلاً لا نسمع شكّه ولا خوفه في ليلة الوحي الأولى. المشاهد الغربي، الذي صُنع الفيلم له، خرج بقصّة نبيلة، والمشاهد العربي خرج بما يعرفه أصلاً. مع ذلك، بقي الفيلم الوحيد. خمسون عاماً، ولم يُنتج العالم العربي ملحمة دينية تنافسه. ما جاء بعده من مسلسلات رمضانية عن الصحابة يعيش في ظلّه، يستعير موسيقاه ولقطاته وحتى حلّه للكاميرا الذاتية. «الرسالة» صار هو التراث البصري للإسلام.

كي يصنع «الرسالة» ثم «أسد الصحراء» عن عمر المختار عام 1981، كان مصطفى العقاد يموّل نفسه من مكان غير متوقّع: سلسلة أفلام «هالوين». الرجل الذي أراد أن يصنع فيلماً عن الإسلام للغرب كان منتجاً لأشهر قاتل مقنّع في السينما الأميركية. ثمانية أفلام عن مايكل مايرز دفعت ثمن سينماه الحقيقية. كان العقاد يحلم بفيلم ثالث عن صلاح الدين. جمع التمويل وكتب السيناريو وسافر يبحث عن مواقع. في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، كان في عمّان لحضور زفاف. وفي بهو فندق «غراند حياة»، فجّر انتحاريّ نفسه في المكان. ماتت ابنته ريما على الفور، ومات هو بعد يومين في المستشفى، عن خمسة وسبعين عاماً.
لكنّ اللقطة الأولى باقية، الكاميرا التي تمشي في السوق والناس ينظرون إليها. خمسون عاماً، ونحن لا نزال ننظر إلى النبيّ الذي لا يُرى، بعينيّ رجل من حلب، قتله أبناء الفتنة التي حذّر منها فيلمه.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :