«العالم تحت الإنذار… حرائق بشرية تقترب من الجامعات والأرض تهتز والعواصف تضرب مرتين»

«العالم تحت الإنذار… حرائق بشرية تقترب من الجامعات والأرض تهتز والعواصف تضرب مرتين»

 

 

 

 

العالم تحت الإنذار… حين يصبح الإنسان شريكاً في الكارثة

لم تعد خريطة الكوارث العالمية مجرد زلازل هنا وإعصار هناك. من الولايات المتحدة إلى أوروبا، ومن المحيط الهادئ إلى أميركا الجنوبية، تتزامن الحرائق والعواصف والزلازل والفيضانات في مشهد يضع عشرات آلاف البشر أمام الخطر، فيما يظهر عامل آخر لا يقل أهمية: بعض الكوارث تبدأ بشرارة بشرية قبل أن تتولى الطبيعة مهمة تحويلها إلى جحيم.

وأحدث الإنذارات يأتي من ولاية نيفادا الأميركية، حيث تمدد حريق غابات ضخم باتجاه مدينة رينو، ووصل الخطر إلى مناطق قريبة من جامعة نيفادا، وسط عمليات إخلاء واسعة وحالة طوارئ واستنفار للحرس الوطني.

نيفادا… شرارة بشرية تتحول إلى كارثة

اندلع حريق «Hawk Fire» قرب رينو قبل أن ينتشر بسرعة كبيرة بفعل الرياح والرطوبة المنخفضة والغطاء النباتي الجاف.

ومع تمدد النيران، أصدرت السلطات أوامر إخلاء لنحو 42 ألف شخص، فيما وُضع عشرات الآلاف الآخرين في حالة استعداد للمغادرة، وأصيب عدد من الأشخاص بينهم عناصر من فرق الاستجابة، إضافة إلى تسجيل أضرار في مبانٍ وانقطاعات للكهرباء.

لكن التفصيل الأكثر إثارة للقلق يتعلق بسبب الحريق.

السلطات أكدت أن الحريق ناجم عن نشاط بشري، إلا أن التحقيق لم يحسم بعد طبيعة هذا النشاط أو ما إذا كان الحريق متعمداً.

وهنا تفرض الدقة التمييز بين عبارتين مختلفتين تماماً: «حريق بفعل بشري» لا تعني بالضرورة «حريقاً متعمداً».

قد تكون الشرارة نتيجة إهمال أو حادث أو استخدام معدات أو نار مفتوحة، وقد تكون عملاً مقصوداً، لكن تحديد ذلك يبقى من اختصاص التحقيق.

الخطر يقترب من جامعة نيفادا

مع تمدد النيران باتجاه المناطق الحضرية، دخلت جامعة نيفادا في رينو دائرة المتابعة والقلق.

الجامعة أكدت أن حرمها لا يزال خارج مناطق الإخلاء، لكنها تتابع تطورات الحريق بصورة مستمرة ولديها خطط طوارئ في حال تغير اتجاه النيران.

وهكذا تحولت أزمة بدأت في الأحراج إلى تهديد يقترب من مدينة ومؤسسات تعليمية ومناطق سكنية كثيفة.

وأعلن حاكم نيفادا حالة الطوارئ في مقاطعة واشو، مع الاستعانة بالحرس الوطني والمروحيات في عمليات مكافحة النيران ودعم فرق الطوارئ.

لماذا أصبحت الشرارة الصغيرة قادرة على إحراق مساحات هائلة؟

الجواب لا يتعلق بمن يشعل النار فقط.

فالحرائق الكبرى تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالانفجار: جفاف، حرارة، نباتات يابسة، رطوبة منخفضة ورياح قادرة على حمل الجمر لمسافات بعيدة.

وهنا تظهر واحدة من أخطر معادلات الكوارث الحديثة.

الإنسان قد يشعل الشرارة، لكن الظروف المناخية والبيئية تحدد ما إذا كانت ستنطفئ بعد أمتار أم تتحول إلى حريق يهدد عشرات آلاف السكان.

وهذا ما يجعل الفصل بين «الطبيعي» و«البشري» أكثر تعقيداً.

الغرب الأميركي… موسم نار ثقيل

نيفادا ليست حالة أميركية معزولة.

فغرب الولايات المتحدة واجه خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة حرائق واسعة، بينها حرائق ولاية واشنطن التي أجبرت عشرات آلاف السكان على الإخلاء وألحقت أضراراً بمئات المباني.

ومع تمدد المدن باتجاه المناطق الحرجية، أصبحت الحدود بين الغابة والحي السكني أضيق من أي وقت مضى.

والنتيجة أن الحريق الذي كان يحتاج في السابق إلى اجتياز مساحات واسعة قبل الوصول إلى السكان، بات اليوم قادراً على الانتقال من الأحراج إلى المنازل خلال ساعات.

أوروبا… القارة الخضراء تحترق

وعبر الأطلسي، تعيش أوروبا موسماً شديد القسوة.

بلجيكا شهدت في محمية «High Fens» حريقاً وُصف بأنه الأكبر في البلاد منذ نحو قرن، بعدما التهم آلاف الهكتارات واستدعى مشاركة مئات من رجال الإطفاء والجنود والمزارعين، إلى جانب مساعدات جوية أوروبية.

وساعد هطول الأمطار في السيطرة على أجزاء واسعة من النيران، لكن وصول الحريق إلى طبقات الخث تحت سطح الأرض أبقى مخاطر الاشتعال البطيء قائمة.

واللافت أن التحقيق في سبب الحريق لم يُحسم، ما يمنع حتى الآن وصفه بأنه متعمد.

من إسبانيا إلى اليونان… الصيف الأوروبي يتغير

المشهد نفسه تكرر بدرجات مختلفة في إسبانيا واليونان والبرتغال وفرنسا وكرواتيا ومناطق أوروبية أخرى.

مساحات واسعة احترقت، وسكان أُجلوا، وفرق إطفاء واجهت ظروفاً بالغة الصعوبة.

والقاسم المشترك في معظم هذه الحرائق هو اجتماع الجفاف والحرارة والرياح مع عامل بشري غالباً ما يكون مسؤولاً عن الشرارة الأولى، سواء نتيجة حادث أو إهمال أو إشعال متعمد.

وهنا يجب التمييز مجدداً: القول إن غالبية حرائق الغابات ذات منشأ بشري لا يعني أن غالبيتها متعمدة.

الأرض أيضاً تتحرك

وفي الوقت الذي تقاتل فيه الولايات المتحدة وأوروبا النيران، تستمر الأرض في إرسال إنذارات من مناطق أخرى.

كولومبيا شهدت هذا الشهر زلزالاً مدمراً ضرب غرب البلاد وخلّف مئات الضحايا وأضراراً واسعة، في تذكير جديد بأن الكارثة الزلزالية لا تُقاس بقوة الهزة وحدها.

نوعية الأبنية، وكثافة السكان، والبنية التحتية، وسرعة الاستجابة والإنقاذ، جميعها تحدد عدد الضحايا عندما تتحرك الأرض.

وهنا يظهر العامل البشري مرة أخرى، ولكن بصورة مختلفة.

الإنسان لا يستطيع منع الزلزال، لكنه يستطيع بناء مدينة أكثر قدرة على النجاة منه.

اليابان وإندونيسيا… حزام النار تحت المراقبة

اليابان شهدت بدورها هزات جديدة خلال الأيام الأخيرة، فيما سجلت إندونيسيا زلزالاً بقوة 5.9 درجات قرب فلوريس.

وهذه المنطقة تقع ضمن «حزام النار» في المحيط الهادئ، أحد أكثر أحزمة النشاط الزلزالي والبركاني نشاطاً على الكوكب.

لكن تزامن الزلازل في مناطق مختلفة لا يعني علمياً وجود علاقة سببية بينها، ولا يجوز التعامل مع كل سلسلة هزات على أنها مقدمة حتمية لزلزال أكبر.

المراقبة واجبة، والتهويل ليس علماً.

هاواي… كارثة قبل أن تنتهي تصل أخرى

وفي المحيط الهادئ، تواجه هاواي نموذجاً مختلفاً من المخاطر: تتابع العواصف قبل أن تتمكن المناطق المتضررة من التعافي.

بعد الأضرار والفيضانات وانقطاع الكهرباء التي خلفتها العاصفة السابقة، عادت المخاوف مع اقتراب نظام جوي جديد يحمل أمطاراً غزيرة، ما يرفع احتمالات الفيضانات المفاجئة والانهيارات الأرضية فوق تربة مشبعة أصلاً بالمياه.

وهذا السيناريو أصبح من أكثر ما يقلق أجهزة الطوارئ حول العالم.

فالمدينة قد تستطيع تحمل كارثة واحدة.

لكن ماذا يحدث عندما تصل الثانية قبل إصلاح الجسور والطرقات وشبكات الكهرباء التي دمرتها الأولى؟

الطبيعي والمفتعل… الخط الفاصل يضيق

ربما تكون هذه أهم خلاصة في خريطة الكوارث الحالية.

الزلزال ظاهرة طبيعية.

الإعصار ظاهرة طبيعية.

لكن البناء الرديء في منطقة زلزالية قرار بشري.

الأمطار الغزيرة طبيعية.

لكن البناء داخل مجاري السيول وإهمال شبكات التصريف يزيد حجم الكارثة.

الجفاف والحرارة والرياح توفر بيئة الحريق.

لكن الشرارة قد تأتي من يد إنسان.

ولهذا لم يعد مصطلح «الكوارث الطبيعية» كافياً دائماً لوصف ما يحدث.

هناك كارثة طبيعية، وهناك حادث بشري، وهناك النوع الأخطر: حادث بشري صغير يجد أمامه ظروفاً طبيعية مثالية فيتحول إلى كارثة كبرى.

نيفادا تختصر المشهد

حريق «Hawk Fire» يقدم نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة.

السلطات تقول إن بدايته بشرية.

الرياح والجفاف ضاعفا قوته.

التمدد العمراني وضع عشرات آلاف البشر في مساره.

النيران اقتربت من مدينة كبرى وجامعة.

والحرس الوطني دخل المواجهة.

ما بدأ بشرارة تحول إلى أزمة ولاية كاملة.

لكن إلى أن ينتهي التحقيق، تبقى المسؤولية المهنية في عدم تحويل «البشري» تلقائياً إلى «المتعمد».

العالم لا يواجه الطبيعة وحدها

ما يجري من نيفادا إلى أوروبا، ومن هاواي إلى اليابان وكولومبيا، يكشف أن الخطر العالمي لم يعد مرتبطاً فقط بقوة الطبيعة.

هناك مدن تتمدد إلى الغابات.

وبنى تحتية عاجزة عن تحمل الظواهر القصوى.

وأراضٍ تجف حتى تصبح الشرارة الصغيرة كافية لإشعال آلاف الهكتارات.

وهناك أحياناً إهمال بشري، وأحياناً جرائم متعمدة، وأحياناً كوارث لا يستطيع الإنسان منعها لكنه يستطيع تخفيف نتائجها.

لذلك، عندما ننظر إلى خريطة العالم المشتعلة اليوم، ربما لا يكون السؤال الأهم:

كم كارثة وقعت؟

السؤال الأكثر إلحاحاً هو:

كم واحدة من هذه الكوارث كان يمكن منعها، أو على الأقل منع تحولها إلى مأساة؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي