من بيروت إلى دمشق وطهران.. مفاتيح المنطقة تتحرك والتسوية تبحث عن باب

من بيروت إلى دمشق وطهران.. مفاتيح المنطقة تتحرك والتسوية تبحث عن باب

 

 

 

 

آيكون نيوز

لم تعد التطورات الممتدة من جنوب لبنان إلى سوريا وإيران تبدو كملفات منفصلة تتحرك كل واحدة منها في مسارها الخاص. شيء ما يتغير في الإقليم، ليس بالضرورة لأن التسوية أصبحت جاهزة، بل لأن اللاعبين والوسطاء بدأوا يتحركون في توقيت متقارب، فيما تحاول إسرائيل استثمار التفوق العسكري لفرض وقائع تسبق أي تفاهم سياسي.

من بيروت إلى دمشق، ومن أنقرة إلى طهران وإسلام آباد، تتحرك قنوات علنية وأخرى خلف الستار. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام مفاوضات متوازية، أم أمام عملية إعادة ترتيب إقليمية واسعة ستتقاطع عند نقطة واحدة؟

بيروت.. التفاوض تحت النار

في لبنان، لا يزال الرئيس جوزاف عون متمسكاً بخيار التفاوض باعتباره الطريق الأقصر لإنهاء الاحتلال وتخفيف معاناة الجنوبيين. وسبق أن أعلن أن المطروح لبنانياً هو اتفاق أمني أو عدم اعتداء، لا اتفاق سلام منفرداً خارج إطار المبادرة العربية.

لكن المشكلة اللبنانية تكمن في أن التفاوض يجري في ظل اختلال واضح في ميزان الضغط. إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية وتتعامل مع الميدان باعتباره وسيلة لتحسين شروطها السياسية، فيما تراهن بيروت على تدخل أميركي قادر على إلزام تل أبيب بتفاهمات توقف الاعتداءات وتفتح الطريق أمام الانسحاب.

وهنا تظهر المفارقة: لبنان مطالب بخطوات والتزامات داخلية، فيما لا تزال الضمانة المقابلة، أي وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، موضع اختبار.

والأخطر أن المقاربة الأميركية نفسها باتت تتحدث عن «المناطق التجريبية» باعتبارها مساراً قابلاً للتطبيق ضمن التصور الأميركي للأمن والسلام بين لبنان وإسرائيل.

لذلك لم يعد ما يجري في الجنوب مجرد ملف حدودي، بل أصبح جزءاً من نقاش أكبر حول شكل لبنان الأمني والسياسي بعد الحرب.

أنقرة تدخل على الخط اللبناني

وسط هذه الصورة، تكتسب الزيارة المرتقبة لرئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن إلى بيروت أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية.

المعلومات المنشورة في بيروت تربط الزيارة بمتابعة الملفات التي نوقشت سابقاً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس عون، إضافة إلى ملفات أمنية وسياسية تتصل بالجنوب والعلاقة مع سوريا ودور تركيا المتنامي في الإقليم.

وجود قالن تحديداً مهم.

فالرجل ليس موفداً دبلوماسياً تقليدياً، وتحركاته الإقليمية ترتبط عادة بالملفات الأمنية الحساسة وقنوات الاتصال التي يصعب إدارتها عبر الدبلوماسية التقليدية.

وبذلك تصبح زيارة بيروت جزءاً من حركة تركية أوسع، خصوصاً أن أنقرة لاعب رئيسي في سوريا، وفي الوقت نفسه تجد نفسها أمام احتكاك متزايد مع إسرائيل بشأن النفوذ العسكري والأمني داخل الأراضي السورية.

دمشق.. الاتصال الذي يكشف المستور

أما التطور الأكثر دلالة فجاء من سوريا.

رويترز نقلت عن ثلاثة مصادر مطلعة أن رئيس الموساد رومان جوفمان أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 14 آب، وكان الوجود العسكري التركي في سوريا بين الملفات التي جرى بحثها.

وتحدثت تقارير لاحقة عن لقاء مباشر بين الشيباني وجوفمان في الأردن في إطار محاولات خفض التصعيد.

هذه المعلومة تتجاوز في أهميتها مجرد وجود قناة اتصال سورية إسرائيلية.

فإذا كان النفوذ التركي في سوريا مطروحاً على طاولة اتصال بين دمشق وتل أبيب، فهذا يعني أن التفاوض السوري الإسرائيلي أصبح متشابكاً مع التنافس التركي الإسرائيلي، وأن سوريا تتحول إلى إحدى ساحات رسم التوازن الجديد بين قوتين إقليميتين كبيرتين.

دمشق تريد وقف الهجمات الإسرائيلية واستعادة ما تستطيع من السيادة على أراضيها، وإسرائيل تريد قيوداً أمنية وعسكرية، فيما لا تبدو تركيا مستعدة للتخلي بسهولة عن المساحة الاستراتيجية التي بنتها داخل سوريا.

وهكذا تتحول المفاوضات من معادلة سورية إسرائيلية ثنائية إلى مثلث أكثر تعقيداً: دمشق، أنقرة، تل أبيب، وخلفهم واشنطن.

طهران.. عاصم منير يحمل مفتاحاً آخر

على الجبهة الإيرانية، برز تطور لا يقل أهمية.

الخارجية الإيرانية أعلنت أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير سيزور طهران الاثنين 24 آب على رأس وفد رسمي، فيما تُربط الزيارة بمساعي الوساطة بين إيران والولايات المتحدة.

باكستان ليست وسيطاً عادياً في هذه اللحظة.

فهي دولة نووية، تملك علاقات عسكرية وسياسية مع واشنطن، وحدوداً ومصالح مباشرة مع إيران، وفي الوقت نفسه تحافظ على شبكة علاقات واسعة مع القوى الخليجية.

لهذا فإن تحرك منير باتجاه طهران يمكن قراءته كمحاولة لإعادة فتح نافذة قبل أن يتحول التصعيد الإيراني الأميركي إلى واقع يصعب احتواؤه.

وهنا تحديداً تبدأ الصورة الإقليمية بالاكتمال.

ثلاثة مسارات.. ومركز واحد

لبنان يتفاوض تحت ضغط عسكري إسرائيلي.

سوريا تفتح قنوات أمنية وسياسية مع إسرائيل وسط صراع على النفوذ التركي.

إيران تستقبل قائد الجيش الباكستاني في لحظة حساسة من علاقتها مع واشنطن.

وتركيا تتحرك بين سوريا ولبنان بينما تتصاعد خلافاتها مع إسرائيل.

من الصعب اعتبار هذا التزامن مجرد مصادفة سياسية.

لا توجد حتى الآن أدلة تسمح بالقول إن هناك «صفقة كبرى» جاهزة يجري توزيع بنودها على عواصم المنطقة. لكن المؤشرات تسمح بالحديث عن شيء مختلف: الملفات التي كانت تُدار منفصلة بدأت تتداخل، والوسطاء أنفسهم يتحركون بين أكثر من ساحة.

فالقرار الإسرائيلي في لبنان لا ينفصل كلياً عن الحسابات الإيرانية.

والوجود التركي في سوريا أصبح بنداً في الاتصالات السورية الإسرائيلية.

ومستقبل الجنوب اللبناني يرتبط بدوره بموقف واشنطن وبميزان القوة الإقليمي وبمستقبل العلاقة الأميركية الإيرانية.

إنها شبكة واحدة، حتى لو كانت طاولات التفاوض متعددة.

إسرائيل تحاول رسم الخريطة قبل السياسة

في مقابل حركة الوسطاء، تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية مختلفة: استخدام القوة العسكرية لتحسين شروط اللحظة السياسية المقبلة.

وهذا ما يجعل المرحلة الحالية شديدة الخطورة.

فالفترة الواقعة بين بدء الاتصالات ونضوج الاتفاقات تكون تاريخياً من أكثر المراحل قابلية للتصعيد، لأن كل طرف يحاول الوصول إلى الطاولة وهو يحمل أكبر عدد ممكن من أوراق القوة.

ومن هنا يمكن فهم استمرار الضغط العسكري الإسرائيلي على لبنان وسوريا بالتوازي مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.

القصف والتفاوض لا يتحركان في اتجاهين متناقضين بالضرورة؛ في منطق القوة، قد يصبح القصف نفسه أداة تفاوض.

وماذا عن لبنان؟

هنا يكمن السؤال الأصعب.

إذا كانت المنطقة بالفعل تتجه إلى إعادة ترتيب، فإن الخطر على لبنان ليس فقط في فشل المفاوضات، بل أيضاً في نجاح تسوية إقليمية تُرسم تفاصيلها الكبرى خارج بيروت ثم يُطلب من اللبنانيين التكيف معها.

لبنان لا يستطيع التعامل مع ما يجري باعتباره مجرد مفاوضات تقنية حول نقاط حدودية أو ترتيبات أمنية جنوب الليطاني.

المسألة أكبر.

هناك مستقبل الاحتلال الإسرائيلي، وأمن الجنوب، ودور الجيش، ومستقبل سلاح المقاومة، وإعادة الإعمار، والنازحون، والعلاقة مع سوريا، وموقع لبنان في التوازن الإقليمي الجديد.

ولهذا فإن أي استراتيجية لبنانية لا تربط هذه العناصر بعضها ببعض تخاطر بتحويل البلاد من طرف في التسوية إلى موضوع لها.

المنطقة بين صفقة وانفجار

لسنا أمام شرق أوسط جديد وُلد بالفعل، ولا أمام صفقة مكتملة تنتظر التوقيع.

نحن في المرحلة التي تسبق ذلك.

مرحلة تحريك المفاتيح.

مفتاح في بيروت تحاول واشنطن الإمساك بجزء منه.

ومفتاح في دمشق تتنازعه الحسابات السورية والتركية والإسرائيلية.

ومفتاح في طهران تحاول إسلام آباد معرفة إن كان لا يزال قادراً على فتح باب بين إيران والولايات المتحدة.

أما إسرائيل، فتحاول في الوقت الفاصل بين الحرب والتسوية أن ترسم بالقوة حدود ما ستطالب بتثبيته بالسياسة.

لهذا قد تكون الأسابيع المقبلة شديدة الحساسية.

فإما أن تنجح شبكة الوسطاء في جمع هذه الخيوط وتحويلها إلى تفاهمات تخفض مستوى المواجهة، وإما أن يفشل أحد المسارات، فتنتقل النار من ملف إلى آخر بسرعة أكبر مما يتوقعه الجميع.

من بيروت إلى دمشق وطهران، المفاتيح تتحرك بالفعل.

لكن السؤال الذي لم يُحسم بعد هو: أي باب ستفتح.. باب التسوية، أم باب جولة جديدة من الصراع؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي