آيكون نيوز
تحذير طبي شديد اللهجة أعاد الجدل حول ما يُعرف بـ«نظام الطيبات» إلى الواجهة، بعدما حذّر الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الأمراض الباطنية والسكري بجامعة هارفارد، من خطورة بعض الأفكار الغذائية المتداولة بين مرضى السكري، ولا سيما الدعوات التي توحي بأن المريض يستطيع تناول السكر بكميات كبيرة أو الاستغناء عن العلاج والإنسولين لمصلحة نظام غذائي.
والقضية هنا تتجاوز خلافاً بين طبيب ونظام غذائي، لتصل إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا يحدث عندما تتحول النصائح المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى بديل من العلاج الطبي؟
حديث حمدي الأخير جاء واضحاً. فقد حذّر من مقولة «مريض السكر يأكل السكر براحته»، موضحاً أن استمرار ارتفاع مستوى السكر يضع ضغطاً إضافياً على البنكرياس، وأن الإفراط في تناول السكريات قد يفاقم تدهور قدرته على أداء وظيفته، خصوصاً لدى مرضى النوع الثاني الذين ما زال البنكرياس لديهم ينتج جزءاً من الإنسولين.
وأوضح حمدي أن الصورة تختلف جذرياً بين نوعي السكري. ففي النوع الأول تكون الخلايا المنتجة للإنسولين قد تعرضت للتدمير بفعل عملية مناعية، ولا يوجد دليل علمي يثبت أن تغيير النظام الغذائي وحده قادر على إعادة هذه الخلايا إلى العمل. أما في النوع الثاني، فيمكن في المراحل المبكرة تحسين السيطرة على المرض، وفي بعض الحالات الوصول إلى مرحلة «هدأة» المرض، عبر خفض الوزن والنشاط البدني والتغذية المناسبة والعلاج الذي يحدده الطبيب.
لكن المواجهة العلمية مع «نظام الطيبات» لم تبدأ اليوم.
ففي شباط 2026، شنّ حمدي انتقاداً واسعاً على الأفكار الغذائية المرتبطة بالنظام، مؤكداً أن التغذية العلاجية علم معقد تحكمه الدراسات والأبحاث، ولا يمكن اختزاله بمجموعة من القواعد المطلقة التي تُقسم الأطعمة إلى نافعة وضارة للجميع. كما انتقد ما وصفه بالخرافات والتهيؤات المتداولة في مجال التغذية.
وفي آب الجاري، عاد حمدي ليقول إن «نظام الطيبات» لا يستند، في رأيه، إلى أساس علمي دقيق، مشدداً على أن علوم الغذاء والتغذية لها قواعد ودراسات، وأن غياب الثقافة الصحية يفتح المجال أمام انتشار المعلومات غير الموثقة.
الأخطر أن التحذير لم يعد موقف طبيب واحد.
فقد أصدرت وزارة الصحة السعودية في حزيران الماضي تحذيراً رسمياً من استخدام الأنظمة الغذائية غير المثبتة علمياً بديلاً من العلاجات الطبية، وسمّت «نظام الطيبات» صراحة. وقالت الوزارة إنها رصدت حالات صحية تأثرت بعد إيقاف الإنسولين أو أدوية السكري أو خفض جرعاتها استناداً إلى توصيات غذائية، وأن بعض الحالات انتهت إلى أقسام الطوارئ والعناية المركزة بسبب الارتفاع الشديد في سكر الدم ومضاعفات السكري.
وهنا تكمن نقطة الفصل التي يجب ألا تضيع وسط الضجيج.
ليس الخلاف حول أهمية الغذاء الصحي، فالنظام الغذائي المتوازن جزء أساسي من علاج السكري، وقد يؤدي خفض الوزن وممارسة الرياضة وتعديل نمط الحياة إلى تحسن كبير لدى مرضى النوع الثاني.
الخطر يبدأ عندما تتحول الحمية إلى «دواء بديل»، أو عندما يُقال للمريض إن بإمكانه إيقاف الإنسولين أو الدواء الموصوف له من تلقاء نفسه.
كما حذرت وزارة الصحة من الإفراط في السكريات والدهون المشبعة، ومن استبعاد مجموعات غذائية كاملة بلا مبرر طبي، مؤكدة أن الغذاء الصحي يقوم أساساً على التوازن والتنوع، مع الحد من السكريات المضافة والمشروبات المحلاة والدهون المشبعة والملح.
ويشدد حمدي بدوره على تفضيل الفاكهة الكاملة على العصائر المحلاة، بسبب احتوائها على الألياف، محذراً من تحويل المشروبات الغنية بالسكر إلى جزء دائم من النظام الغذائي لمريض السكري.
المسألة إذاً ليست معركة بين «الدواء» و«الطبيعة»، ولا بين الطب الحديث والغذاء الصحي.
الغذاء جزء من العلاج، والحركة جزء من العلاج، وخفض الوزن قد يكون عاملاً حاسماً في السيطرة على السكري من النوع الثاني، لكن تحديد حاجة المريض إلى الدواء أو الإنسولين وجرعاتهما يبقى قراراً طبياً مرتبطاً بحالته وفحوصاته.
وفي مرض كالسكري، قد تكون المسافة بين «نصيحة منتشرة» ومضاعفات خطيرة أقصر مما يتصور البعض.
ولهذا فإن الرسالة الأهم ليست فقط نقد «نظام الطيبات»، بل مواجهة ظاهرة أكبر: تحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى عيادات، وتحويل التجارب الشخصية إلى وصفات عامة، والتعامل مع ملايين المرضى وكأن أجسادهم وحالاتهم الصحية متطابقة.
السكري لا يُعالج بالشعارات، ولا بالخوف من الطعام، ولا بالوعود السريعة.
إنه مرض يحتاج إلى علم وتشخيص ومتابعة، وغذاء متوازن، ونشاط بدني، وعلاج يُحدد وفق حالة كل مريض.
أما القرار الأخطر الذي يمكن أن يتخذه مريض السكري، فهو إيقاف الإنسولين أو تغيير جرعات أدويته استناداً إلى مقطع فيديو أو نظام غذائي متداول، من دون الرجوع إلى طبيبه.
وفي هذه النقطة تحديداً، لم يعد التحذير مجرد رأي أكاديمي؛ فهناك جهة صحية رسمية تقول إنها رصدت بالفعل مرضى انتهى بهم الأمر إلى الطوارئ والعناية المركزة بعد العبث بعلاج السكري.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :