من جبال إيران إلى طوروس… هل ينقل أردوغان مراكز القيادة إلى باطن الجبال؟

من جبال إيران إلى طوروس… هل ينقل أردوغان مراكز القيادة إلى باطن الجبال؟

 

 

 

 

 

ICON NEWS – خاص

 

في الحروب الحديثة، لم يعد السؤال فقط عن عدد الطائرات والصواريخ والدبابات، بل عن قدرة الدولة على إبقاء «العقل» الذي يدير الحرب حياً بعد الضربة الأولى.

 

ومن هنا تحديداً تكتسب التقارير المتداولة عن اتجاه تركيا إلى تحصين منشآتها العسكرية ومراكز القيادة داخل المناطق الجبلية أهمية استثنائية، خصوصاً مع ربطها بتجربة إيران الطويلة في بناء منشآت عسكرية شديدة التحصين داخل الجبال.

 

لكن ماذا نعرف فعلاً؟

 

خلال الساعات الأخيرة، انتشرت تقارير تتحدث عن إنشاء أو نقل مراكز قيادة ومنشآت استراتيجية تركية إلى مناطق جبلية، ولا سيما جبال طوروس والأمانوس، ضمن مفهوم دفاعي يقوم على استخدام الكتل الصخرية كغطاء طبيعي ضد الضربات الجوية والصاروخية.

 

إلا أن التدقيق في المصادر المفتوحة لا يكشف، حتى لحظة إعداد هذا التقرير، عن إعلان رسمي تركي يؤكد أن الرئيس رجب طيب أردوغان أصدر قراراً بنقل مراكز القيادة الرئيسية إلى هذه الجبال، كما لا تتوافر أدلة موثوقة تسمح بالحديث عن «مدن عسكرية تركية تحت الأرض» بالمفهوم الإيراني. وهذا التفريق أساسي حتى لا يتحول التحليل العسكري إلى معلومة غير مثبتة.

 

لماذا إيران حاضرة في الصورة؟

 

لأن طهران سبقت معظم دول المنطقة في تحويل الجغرافيا الجبلية إلى جزء من منظومتها العسكرية.

 

ومن أبرز الأمثلة قاعدة «عقاب 44» الجوية تحت الأرض التي كشفت عنها إيران عام 2023. تحليل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية للصور الفضائية أظهر وجود منشأة داخل منطقة جبلية ومداخل مخصصة للطائرات، بما يعكس فلسفة واضحة: حماية جزء من القوة الجوية داخل كتلة جبلية بدلاً من إبقائها مكشوفة في قواعد تقليدية يمكن استهداف مدارجها وحظائرها.

 

الأمر نفسه ينطبق على ما تسميه إيران «مدن الصواريخ»، حيث تتحول الجبال من مجرد تضاريس إلى درع استراتيجي يحتوي مخازن وممرات ومواقع تشغيل ومنشآت قيادة وإسناد.

 

وهنا قد تكون التجربة الإيرانية قد أعادت فتح نقاش عسكري أوسع في المنطقة: كيف يمكن حماية القيادة والصواريخ والطائرات والذخائر عندما يستطيع الخصم ضرب المنشآت الثابتة بدقة عالية؟

 

تركيا ليست غريبة عن «عسكرة الجبال»

 

النقطة المهمة أن استخدام التضاريس المرتفعة والقاسية عسكرياً ليس جديداً على الجيش التركي.

 

تركيا تملك منذ سنوات قواعد ومواقع عسكرية في مناطق جبلية شديدة الارتفاع. ففي منطقة أصلان قراش على الحدود الإيرانية مثلاً، توجد قاعدة تركية على ارتفاع يقارب 3200 متر، كما توجد قواعد أخرى محصنة ومجهزة بتكنولوجيا المراقبة والعمل في الظروف الجغرافية القاسية.

 

لذلك فإن الانتقال من «التمركز فوق الجبل» إلى زيادة الاعتماد على منشآت أكثر تحصيناً داخل الجبل ليس تصوراً مستحيلاً من الناحية العسكرية، لكن حجم أي مشروع جديد وموقعه ووظيفته تبقى بحاجة إلى أدلة قبل التعامل معها كوقائع.

 

ماذا تعلّمت أنقرة من حروب المنطقة؟

 

الحروب الأخيرة قدّمت درساً قاسياً للجيوش: المنشآت المعروفة الإحداثيات يمكن أن تتحول في الدقائق الأولى من الحرب إلى أهداف.

 

قواعد جوية، مستودعات ذخيرة، مراكز اتصالات، غرف عمليات ورادارات يمكن استهدافها بصواريخ دقيقة أو مسيّرات بعيدة المدى.

 

وبالتالي، فإن حماية «مركز الأعصاب» تصبح أحياناً أكثر أهمية من حماية السلاح نفسه.

 

فالطائرة يمكن استبدالها، وكذلك منصة الصواريخ، لكن انهيار شبكة القيادة والسيطرة والاتصالات قد يشل وحدات كاملة حتى لو بقيت أسلحتها سليمة.

 

وهنا تكمن أهمية النموذج الإيراني: توزيع القوة وإخفاؤها وتحصينها بدلاً من تجميعها في منشآت مكشوفة.

 

طوروس والأمانوس… الجغرافيا التي تفرض نفسها

 

إذا صح أن أنقرة تدرس توسيع المنشآت العسكرية المحصنة في جبال جنوب تركيا، فإن اختيار هذه المنطقة ستكون له دلالات تتجاوز مسألة الصخور والأنفاق.

 

جبال طوروس تمتد كحاجز طبيعي ضخم في جنوب الأناضول، فيما تشكل جبال الأمانوس كتلة استراتيجية قريبة من سوريا وشرق المتوسط.

 

وهذا يعني أن أي بنية قيادة محصنة في هذه الجغرافيا ستكون قريبة نسبياً من أحد أكثر المسارح العسكرية حساسية بالنسبة إلى تركيا: سوريا، شرق المتوسط، الحدود الجنوبية ومسارات الانتشار نحو الشرق الأوسط.

 

وبذلك يصبح الجبل ليس مجرد ملجأ، بل موقعاً لإدارة مسرح عمليات كامل.

 

أبعد من إيران

 

ربط أي مشروع تركي محتمل بإيران وحدها قد يكون تبسيطاً للمشهد.

 

تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك صناعة دفاعية متطورة، وشبكات قيادة وسيطرة ورادارات وقواعد جوية وبحرية منتشرة على مساحة واسعة.

 

لذلك، إذا كانت أنقرة بالفعل بصدد توسيع منشآتها الجبلية المحصنة، فمن المرجح أن تكون العقيدة الناتجة مزيجاً من خبرتها الذاتية وتجارب حلف الناتو والدروس المستخلصة من إيران والحروب الحديثة، وليس مجرد استنساخ لـ«مدن الصواريخ» الإيرانية.

 

أردوغان يقرأ المنطقة

 

المؤكد أن المؤسسة العسكرية التركية تمر في مرحلة إعادة ترتيب مستمرة. ففي الرابع من آب 2026 ترأس أردوغان اجتماع المجلس العسكري الأعلى، وأُقرت خلاله تغييرات وترقيات واسعة في هرم القوات المسلحة، بينها تغيير في قيادة القوات الجوية، وفق وزارة الدفاع التركية.

 

وبعد يومين فقط، تناول مجلس الأمن القومي برئاسة أردوغان التطورات المتعلقة بأمن تركيا والمنطقة والخطوات المقبلة في الاستراتيجية الأمنية التركية.

 

لا تثبت هذه الاجتماعات بطبيعة الحال رواية «مراكز القيادة داخل الجبال»، لكنها تظهر أن أنقرة تعيد تقييم بيئتها العسكرية في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.

 

عندما يصبح الجبل سلاحاً

 

القصة الحقيقية ربما تكون أكبر من سؤال: هل يقلّد أردوغان إيران؟

 

ما يحدث في المنطقة يشير إلى تحول في مفهوم الردع نفسه.

 

بعد عصر القواعد العسكرية الضخمة المكشوفة، قد ندخل مرحلة يصبح فيها جزء متزايد من القوة العسكرية غير مرئي: أنفاق، مستودعات عميقة، غرف قيادة محصنة، منصات متحركة وشبكات اتصال موزعة.

 

إيران بنت جزءاً مهماً من استراتيجيتها على هذا المفهوم، وتجربتها أصبحت تحت مجهر جميع جيوش المنطقة.

 

وإذا ثبت لاحقاً أن تركيا تنقل بالفعل مراكز استراتيجية إلى عمق جبال طوروس أو الأمانوس، فلن نكون أمام مجرد مشروع هندسي ضخم.

 

سنكون أمام تغيير في العقيدة العسكرية التركية نفسها: من حماية الحدود فوق الأرض… إلى ضمان استمرار الدولة في إدارة الحرب من تحتها.

 

وهنا يصبح السؤال الأخطر:

 

أي حرب تستعد لها أنقرة حتى تبحث، كما تقول التقارير، عن مكان أكثر أمناً لعقل جيشها داخل الجبال؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي