ايكون نيوز
دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وكندا أخطر مراحلها منذ عقود، بعدما انهارت مفاوضات اللحظة الأخيرة بين البلدين وفرضت واشنطن رسوماً جمركية بنسبة 50 في المئة على مجموعة من السلع الكندية، لترد أوتاوا بالإعلان عن إجراءات انتقامية مماثلة.
الأزمة لم تعد خلافاً عابراً على الحليب أو السيارات أو المشروبات الكحولية، بل تحولت إلى مواجهة تتعلق بمستقبل اتفاق التجارة الحرة في أميركا الشمالية، وبقدرة كندا على الاحتفاظ باستقلال قرارها الاقتصادي في مواجهة إدارة أميركية تستخدم حجم السوق والرسوم الجمركية لانتزاع تنازلات سياسية وتجارية.
اتفاق وُلد ثم مات خلال ثلاثة أيام
كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن في 18 آب التوصل إلى تفاهم مبدئي مع كندا، وقرر تأجيل الرسوم الجديدة ثلاثة أيام لإتاحة الوقت أمام إنجاز الوثائق النهائية.
لكن المفاوضات انهارت مساء الجمعة، بعدما تبادل الطرفان الاتهامات بالتراجع عن التفاهمات. وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير إن كندا تراجعت عن بنود سبق أن وافقت عليها وقدمت مطالب جديدة، فيما اعتبر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن واشنطن أضافت في اللحظات الأخيرة شروطاً غير عادلة وغير مجدية اقتصادياً.
ومع انتهاء المهلة، دخلت الرسوم حيز التنفيذ في الساعات الأولى من السبت 22 آب، لتشمل واردات كندية تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار سنوياً.
ماذا تشمل الرسوم؟
تشمل الإجراءات الأميركية الجديدة منتجات كندية متنوعة، بينها النبيذ والأثاث والإسمنت ومنتجات الألبان ومعدات رياضية، ومن ضمنها عصي الهوكي، إضافة إلى سلع صناعية وطبية.
والأخطر أن إدارة ترامب استخدمت المادة 338 من قانون الرسوم الجمركية لعام 1930، وهي مادة نادرة الاستخدام تسمح للرئيس بفرض رسوم تصل إلى 50 في المئة، من دون المرور بالمسار التقليدي لتحقيقات التجارة.
وتنطبق الرسوم الجديدة حتى على بعض السلع التي تستوفي شروط اتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، فيما استُثنيت منها الطاقة والبوتاس وبعض المعادن الحيوية والمنتجات الخاضعة أصلاً لرسوم قطاعية.
ولا تبدأ الأزمة من هذه الرسوم. فالولايات المتحدة تفرض بالفعل رسوماً بنسبة 50 في المئة على الصلب والألمنيوم والنحاس الكندي، و25 في المئة على السيارات والشاحنات، و10 في المئة على الأخشاب، إلى جانب رسوم على الأثاث والحافلات ومنتجات صناعية أخرى.
ما الذي تريده واشنطن؟
تتهم الإدارة الأميركية كندا باتباع سياسات تمييزية ضد المنتجات الأميركية، وتضع في مقدم اعتراضاتها نظام حماية قطاع الألبان الكندي، الذي يفرض حصصاً ورسوماً مرتفعة على الكميات التي تتجاوزها.
كما تطالب واشنطن بإلغاء القيود التي فرضتها مقاطعات كندية على بيع المشروبات الكحولية الأميركية، وفتح المشتريات الحكومية أمام الشركات الأميركية، وتخفيف الإجراءات الكندية المضادة على السيارات والصلب والألمنيوم.
ودخل مشروع خط أنابيب «كيستون إكس إل» على خط المفاوضات، بعدما ألمح ترامب إلى رغبته في إحياء المشروع الذي ينقل النفط الكندي إلى الولايات المتحدة. لكن إعادة إطلاقه تحتاج إلى استثمارات ضخمة وتواجه اعتراضات سياسية وبيئية وقانونية، ما يجعل إدخاله في اتفاق تجاري مسألة شديدة التعقيد.
ماذا تريد كندا؟
تسعى أوتاوا إلى تخفيف الرسوم الأميركية المفروضة على السيارات والصلب والألمنيوم والأخشاب، والحفاظ على امتيازات اتفاق التجارة الحرة ومنع واشنطن من إخضاع كل قطاع كندي لمفاوضات منفصلة.
وترفض الحكومة الكندية تقديم تنازلات يمكن أن تبدو خضوعاً للضغط الأميركي، خصوصاً أن الرأي العام يطالبها باتخاذ موقف أكثر تشدداً في مواجهة ترامب.
ويواجه كارني معادلة صعبة: قبول شروط واشنطن قد يحمي بعض الصناعات والوظائف على المدى القصير، لكنه يُظهر كندا كدولة يمكن انتزاع التنازلات منها بالتهديد. أما رفض الشروط، فيحمي القرار السيادي لكنه يعرّض قطاعات إنتاجية تعتمد بصورة كبيرة على السوق الأميركية لخسائر فورية.
الرد الكندي
أعلن كارني أن بلاده ستفرض رسوماً انتقامية بقيمة توازي الرسوم الأميركية الجديدة، إلى جانب إجراءات لمساعدة الشركات والعمال المتضررين.
ويعني ذلك أن مستوردين ومستهلكين كنديين سيدفعون بدورهم أسعاراً أعلى مقابل السلع الأميركية المستهدفة، فيما قد تتوسع المقاطعة الشعبية للمنتجات الأميركية، التي ظهرت خلال الجولات السابقة من الحرب التجارية.
لكن قدرة كندا على إلحاق الضرر بالاقتصاد الأميركي تبقى محدودة مقارنة بحجم السوق الأميركية. ولذلك تميل أوتاوا إلى استهداف منتجات قادمة من ولايات ودوائر انتخابية حساسة، بهدف تحويل الكلفة التجارية إلى ضغط سياسي داخلي على إدارة ترامب.
من يدفع الثمن؟
ستكون الصناعات الكندية الصغيرة والمتوسطة أول المتضررين، خصوصاً تلك التي لا تستطيع إيجاد أسواق بديلة سريعاً أو تحمّل رسوم بنسبة 50 في المئة.
وفي الولايات المتحدة، لن تكون الكلفة معدومة. فالاقتصادان مرتبطان بسلاسل إنتاج متداخلة، خصوصاً في قطاعات السيارات والطاقة والأخشاب والمعادن والزراعة. وقد تعبر القطعة الواحدة الحدود مرات عدة قبل اكتمال تصنيعها، ما يعني أن الرسوم قد تتراكم وتنعكس على أسعار السلع والمساكن والسيارات داخل الولايات المتحدة نفسها.
أما الخطر الأكبر، فيطال الاستثمارات. فالشركات لا تضخ أموالاً في مصانع تحتاج إلى عقود من العمل إذا كانت القواعد التجارية تتغير كل بضعة أسابيع بقرار رئاسي.
هل يسقط اتفاق التجارة الحرة؟
لا تزال غالبية المبادلات التجارية بين الدول الثلاث مستمرة، لكن استخدام واشنطن رسوماً جديدة ضد سلع يفترض أنها محمية باتفاق الولايات المتحدة وكندا والمكسيك يضرب صدقية الاتفاق.
كما تتزامن الأزمة مع مراجعة مستقبل الاتفاق، وسط اتجاه أميركي إلى تجنب تمديده تلقائياً لمدة طويلة وإبقائه خاضعاً لمراجعات وضغوط سنوية.
وإذا نجحت واشنطن في انتزاع تنازلات واسعة من كندا خارج قواعد الاتفاق، فسيتحول الاتفاق من مظلة قانونية مستقرة إلى أداة ضغط بيد الطرف الأقوى.
أبعد من التجارة
تكشف الأزمة أن العلاقة بين البلدين لم تعد علاقة حليفين يختلفان على بعض التفاصيل، بل باتت مواجهة بين رؤيتين.
ترى إدارة ترامب أن القرب الجغرافي والاعتماد الكندي على السوق الأميركية يمنحان واشنطن الحق في إعادة صياغة العلاقة لمصلحتها. أما كندا، فتخشى أن تؤدي الاستجابة المتكررة للضغوط إلى فقدان تدريجي لاستقلالها الاقتصادي والسياسي.
لذلك فإن حرب الرسوم الحالية ليست مجرد معركة على النبيذ أو الإسمنت أو عصي الهوكي. إنها اختبار لمستقبل كندا كدولة مستقلة في ظل جار اقتصادي وعسكري عملاق، واختبار للولايات المتحدة نفسها: هل تحافظ على تحالفاتها وشبكة التجارة التي بنت نفوذها، أم تستبدلها بعلاقات تقوم على الضغط والقوة؟
وحتى استئناف المفاوضات، يكون ترامب قد نقل الخلاف من طاولة التفاوض إلى الأسواق والمصانع، فيما يستعد المواطن والعامل والشركة في البلدين لدفع ثمن حرب تجارية لا يضمن أحد بقاءها ضمن حدود التجارة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :