ايكون نيوز
لم تعد مرتفعات علي الطاهر مجرد نقطة عسكرية تتكرر في نشرات الأخبار. فوق هذه التلال، الواقعة شمال نهر الليطاني، تتقاطع اليوم معركة الجغرافيا مع معركة السيادة، ويتداخل الميدان بالمفاوضات، فيما يحاول العدو الإسرائيلي تحويل موقع لبناني إلى ورقة ضغط وابتزاز يرسم عبرها شكل المنطقة التي يريد فرضها في الجنوب.
فالهدف ليس احتلال بضعة أمتار إضافية فحسب، بل السيطرة على عين مرتفعة تكشف النبطية وكفرتبنيت وكفررمان وإقليم التفاح، وتتكامل جغرافياً مع قلعة الشقيف. لذلك، تحولت علي الطاهر إلى أحد أهم مراكز الثقل في المواجهة، وإلى اختبار حقيقي لما إذا كان العدو سيتمكن من توسيع احتلاله شمال الليطاني، أم سيبقى عاجزاً عن تثبيت وجوده في التلال.
ليلة عنيفة فوق النبطية
حتى ساعات فجر الجمعة 21 آب 2026، شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات عنيفة على مرتفعات علي الطاهر، بالتزامن مع تحليق مكثف وعلى علو منخفض فوق مناطق الجنوب. وامتدت الغارات إلى محيط الدبشة ودوحة كفررمان، فيما استمر القصف المدفعي المتقطع حتى ساعات الفجر.
وسبق الغارات إلقاء محلّقة إسرائيلية مواد متفجرة على مرتفع علي الطاهر، عند الأطراف الشمالية للنبطية الفوقا، مرتين خلال أقل من ساعة، كما ألقت محلّقة أخرى مواد متفجرة فوق منطقة الدبشة، ما أدى إلى سماع دوي قوي في بلدات النبطية.
ولم تتضمن التقارير الأولية المتاحة إعلاناً رسمياً عن وقوع إصابات بشرية نتيجة غارات الليلة، إلا أن كثافة النار وطبيعة الاستهداف تشيران إلى انتقال العدو من الضربات المتقطعة إلى محاولة إنهاك الموقع وعزل محيطه وإحراق أحراجه وضرب طرق الوصول إليه.
خريطة النار تتسع
لم يكن التصعيد محصوراً بمرتفعات علي الطاهر. فقد سُجلت تحركات إسرائيلية عند الأطراف الغربية لبلدة ميس الجبل، في منطقة دوبيه، ترافقت مع قصف منازل وتمشيط بالأسلحة الرشاشة، ما أدى إلى اندلاع حريق.
وطال القصف حولا والمنطقة الواقعة بين طلوسة ومركبا، فيما نفذ الاحتلال تفجيرات في كفرتبنيت ومحيط زوطر الشرقية والطيري. كما استهدفت المدفعية أودية السلوقي والحجير وقبريخا وتولين، بالتزامن مع تفجيرات وقصف في المنصوري ومجدل زون.
وتكشف هذه الخريطة أن العدو لا يتعامل مع علي الطاهر كموقع منفصل، بل يعمل على تشكيل مسرح عمليات واسع يمتد من النبطية وكفرتبنيت وزوطر، إلى ميس الجبل وحولا ووادي الحجير، وصولاً إلى المنصوري ومجدل زون في القطاع الغربي.
أين تقع علي الطاهر؟
تقع مزرعة علي الطاهر إدارياً ضمن بلدة كفرتبنيت في قضاء النبطية، بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وترتفع قرابة 600 متر عن سطح البحر.
وتشكل جزءاً من سلسلة مرتفعات تضم علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة. ومن موقعها تكشف أجزاء واسعة من النبطية وكفرتبنيت وكفررمان، إضافة إلى إقليم التفاح وامتدادات أقضية النبطية ومرجعيون وحاصبيا.
وتقع على مسافة تقارب ثلاثة إلى أربعة كيلومترات من قلعة الشقيف، ما يجعل الموقعين أشبه بمنظومة مرتفعات واحدة، يمكن لمن يسيطر عليها مراقبة طرق التحرك وإدارة النيران والتحكم بالمحاور الممتدة بين القطاع الشرقي وعمق منطقة النبطية.
لماذا يريدها العدو؟
القيمة الأولى لعلي الطاهر هي الرصد. فالتلة تشكل برج مراقبة طبيعياً يسمح بكشف التحركات على شبكة طرق حيوية، ومراقبة النبطية ومحيط الليطاني وإقليم التفاح.
أما القيمة الثانية فهي الترابط مع قلعة الشقيف. وإذا تمكن الاحتلال من الجمع بين الموقعين ضمن نطاق سيطرة واحد، فإنه يحصل على قوس مراقبة ونيران يمتد فوق مساحة واسعة، ويمنح قواته المنتشرة شمال الليطاني عمقاً وحماية إضافيين.
وتتمثل القيمة الثالثة في محاولة فصل مناطق إقليم التفاح عن الساحل والنبطية، وضرب طرق الإسناد والتحرك بين القطاعات الشرقية والغربية. فالاحتلال لا يريد تلة منعزلة، بل عقدة تسمح له بتوسيع ما يسميه «المنطقة الأمنية»، وتحويل احتلاله المؤقت إلى شريط ثابت قابل للتوسع.
ورغم التطور الهائل في الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية، لم تفقد المرتفعات أهميتها العسكرية. فالرصد المباشر، والاتصال البصري، وتوجيه المدفعية والمسيّرات، والإنذار المبكر، كلها عوامل تجعل الأرض المرتفعة ذات قيمة كبيرة، خصوصاً في المعارك البرية والمناطق الحرجية المعقدة.
موقع ديني حوله الاحتلال إلى ثكنة
قبل أن تصبح علي الطاهر موقعاً عسكرياً، كانت مقصداً دينياً لأهالي النبطية والقرى المحيطة بها. ويقع فوقها مقام «الولي علي الطاهر»، الذي تشير المصادر المحلية إلى ترميمه سنة 1766 أو 1767، كما ورد ذكره في رحلة الأميركي إدوارد روبنسون إلى لبنان عام 1852.
بعد اجتياح عام 1982، حوّل الاحتلال المقام والمنطقة المحيطة به إلى موقع عسكري محصّن بالدشم والخرسانة والحديد، وبقيت التلة من المواقع المرتبطة باحتلال الجنوب حتى التحرير في أيار 2000.
وهذه الذاكرة تمنح الموقع بُعداً رمزياً يتجاوز الحسابات العسكرية. فالعودة الإسرائيلية إليه، بعد أكثر من ربع قرن على التحرير، تحمل محاولة واضحة لمحو صورة انسحاب عام 2000 واستبدالها بصورة احتلال جديد.
من يسيطر على التلة؟
هذه هي النقطة التي يجب التعامل معها بأقصى درجات الحذر. ففي 26 حزيران الماضي أعلن جيش الاحتلال أنه فرض سيطرته الكاملة على التلة، لكن حزب الله نفى ذلك في اليوم نفسه، مؤكداً خلوها من القوات الإسرائيلية. كما نقلت الجزيرة حينها عن مصدر عسكري لبناني أن الجيش لم يرصد تقدماً إسرائيلياً يغيّر الواقع الميداني في المرتفعات.
وفي تطور دبلوماسي لافت، أفادت مصادر غربية بأن حزب الله عرض مؤخراً تسليم المنطقة للجيش اللبناني في ظل تراجع قدرته على الإمساك بها، غير أن إسرائيل رفضت العرض، ليأتي بعدها نفي رسمي من الحزب لأي اتفاق من هذا القبيل، مؤكدة أن عناصره لن يغادروا المنطقة.
حتى صباح اليوم، لا توجد جهة محايدة قادرة على تأكيد سيطرة إسرائيلية كاملة وثابتة على سلسلة التلال. كما لا تكفي بيانات الحرب أو مشاهد الغارات لحسم الأمر.
فالسيطرة العسكرية لا تُقاس بإعلان إعلامي، بل بوجود بري ثابت، وحرية حركة وتموين، والقدرة على منع الطرف الآخر من العمل داخل المنطقة. وما يزال استمرار القصف والغارات ومحاولات العزل دليلاً على أن العدو لم يحوّل المنطقة إلى موقع مستقر وآمن لقواته.
حرب الروايات
خلال الساعات الماضية، تداولت قناة «العربية الحدث» معلومات نُقلت إلى «مصدر مقرب من حزب الله»، تحدثت عن رفض تسليم التلة إلى الجيش وعن وجود أكثر من مئة عنصر من الحزب والحرس الثوري داخلها.
لكن العلاقات الإعلامية في حزب الله أصدرت نفياً واضحاً، نفت فيه مجمل المعلومات المنسوبة إلى ما سُمّي «مصدراً مقرباً من الحزب». وعليه، لا يجوز اعتماد تلك الأرقام أو العبارات بوصفها وقائع ميدانية، وخصوصاً أنها لم تُدعّم بأي دليل مستقل.
لماذا تصدرت الصحف؟
كل صحيفة قرأت التلة من زاوية مختلفة. «الأخبار» رأت فيها مركز ثقل يحاول العدو تضخيمه واستخدامه ميدانياً وتفاوضياً، وربطتها بمصير الجولة الثامنة من المفاوضات.
أما «النهار» فاعتبرت أن القضية تتجاوز التلة إلى سابقة قد تسمح لإسرائيل بتحديد المواقع التي تريد إخلاءها داخل لبنان، ثم مطالبة الجيش بالانتشار فيها تحت التهديد العسكري.
في المقابل، ربطت «الجمهورية» توقيت أي هجوم بالحسابات الانتخابية لبنيامين نتنياهو، وبمحاولة تحقيق إنجاز ميداني يمكن استثماره داخلياً، مع الحديث عن موافقة أميركية محتملة على عملية محدودة لا تتدحرج إلى حرب إقليمية. لكن هذه القراءة تبقى تقديراً سياسياً منسوباً إلى مصادر الصحيفة، وليست قراراً أميركياً معلناً.
المفاوضات تحت القصف
باتت علي الطاهر حاضرة في مفاوضات روما وفي الاتصالات الأميركية بين بيروت وتل أبيب. لكن الجولة الثامنة لم يُحدد موعدها رسمياً، فيما لم يتحقق تقدم فعلي في وقف الاعتداءات أو تثبيت وقف النار.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية: العدو يقصف الموقع ثم يطرحه على طاولة التفاوض، ليحوّل العدوان إلى وسيلة لانتزاع تنازل سياسي. أما مسألة انتشار الجيش اللبناني داخل الأراضي اللبنانية، فهي مسألة سيادية لبنانية لا يحق للاحتلال تحديد زمانها ومكانها أو فرضها تحت النار.
كما أن زج الجيش في معادلة «إما أن تتسلموا الموقع وإما أن نحتله» يحوّله من مؤسسة تحمي السيادة إلى أداة لتنفيذ مطالب العدو، وهو فخ يجب ألا يسمح لبنان بالوقوع فيه.
ماذا يريد العدو الآن؟
ما يجري حتى اللحظة أقرب إلى التمهيد الناري والقضم التدريجي وتدمير المحيط منه إلى هجوم بري نهائي واسع. فالعدو يعمل على إحراق الأحراج، وضرب المداخل، وتدمير المنازل والمنشآت، واختبار محاور الاقتراب، بالتوازي مع حرب نفسية وإعلامية حول «سقوط التلة».
لكن الانتقال إلى معركة احتلال شاملة يحتاج إلى مؤشرات إضافية، بينها حشد قوات مدرعة وهندسية كبيرة، وإغلاق محاور كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وفرض حزام ناري متواصل، ومحاولة إدخال قوات برية وتثبيتها فوق المرتفعات.
الخطر الأكبر أن يؤدي أي توغل واسع أو سقوط خسائر كبيرة إلى رد ميداني يوسّع نطاق المواجهة، وينقل الجنوب من مرحلة الضغط بالنار إلى أيام قتالية مفتوحة لا تبقى محصورة في علي الطاهر.
تلة علي الطاهر مهمة، لكنها ليست الجنوب كله، ولا يعني احتلال جزء منها سقوط النبطية أو انكشاف لبنان بصورة تلقائية. في المقابل، لا يجوز التقليل من قيمتها، لأنها تمنح من يسيطر عليها قدرة رصد ونيران، وتساعد الاحتلال على ربط مواقعه وتوسيع نطاقه الأمني شمال الليطاني.
المعركة الحقيقية ليست فقط على قمة ترتفع 600 متر، بل على حق العدو في رسم خرائط داخل الأراضي اللبنانية وفرضها بالقوة. فإذا نجح في تحويل قصف موقع إلى مسار تفاوضي لإخلائه، سيكرر النموذج نفسه في مواقع أخرى.
لهذا، تختصر علي الطاهر اليوم سؤال الجنوب كله: هل تُحمى السيادة بوقف العدوان وإجبار الاحتلال على الانسحاب، أم يُسمح للاحتلال بأن يختار قطعة الأرض التالية، ثم يطلب من لبنان التكيف مع خريطته الجديدة؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :