ايكون نيوز
لم تعد الحرب الأوكرانية محصورة في المدن والجبهات البرية. ففي تطور بالغ الخطورة، فتحت مقاتلة رومانية من طراز "F-16" النار على مسيّرة بحرية محمّلة بالمتفجرات، بعدما اقتربت من منشأة غاز استراتيجية في البحر الأسود، مهددة حياة مئات العاملين وأحد أهم مشاريع الطاقة الأوروبية.
وبحسب وزارة الدفاع الرومانية، رصدت سفينة تجارية المسيّرة عند الساعة السادسة والنصف تقريباً من صباح الخميس، داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لرومانيا، بالقرب من منصة "نبتون ديب" (Neptun Deep)، وعلى مسافة تقارب 80 ميلاً بحرياً شرقي مدينة كونستانتسا.
وعقب إنشاء خلية قيادة والتنسيق مع الرئيس الروماني نيكوشور دان، أُطلقت مقاتلتان من طراز "F-16" باتجاه الموقع، قبل أن تستهدف إحداهما المسيّرة بمدفعها الداخلي وتُصيبها بصورة مباشرة. وأكدت السلطات أن القرار اتُخذ لحماية مئات العاملين في المنطقة وتأمين البنية التحتية الحيوية.
الخطر كان على مسافة مئات الأمتار
لا تكمن خطورة الحادثة في وجود مسيّرة عائمة داخل البحر الأسود فحسب، بل في اقترابها إلى مسافة مئات الأمتار من أعمال مشروع "نبتون ديب"، وهي محمّلة بمواد متفجرة وقادرة على إلحاق أضرار مباشرة بالمنشآت والعاملين فيها. وبعد إصابة الطائرة للمسيّرة، أرسلت قوات خفر السواحل سفينة تحمل فريقاً من خبراء إزالة المتفجرات لإتمام تدميرها نهائياً والتأكد من عدم وجود أي خطر متبقٍ.
وأكد وزير الدفاع الروماني رادو ميروتشا أن بوخارست تلقت إفادة رسمية عبر قناة اتصال مباشرة مع أوكرانيا، بأن المسيّرة ليست أوكرانية المنشأ. وفي المقابل، حمّل الرئيس الروماني نيكوشور دان روسيا مسؤولية الحادثة، معتبراً أنها تندرج في سياق الاستفزازات والتهديدات المتصاعدة، فيما لم يصدر تعليق روسي مباشر على الاتهام حتى إعداد التقرير.
رد فعل أوروبي غاضب: "هذه حرب هجينة"
وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الحادث بأنه جزء من "حملة تهديدات متصاعدة" ضد الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن "هذه حرب هجينة". وأضافت في بيان لها: "رسالة تأسيس اتحادنا هي الحفاظ على السلام. وهذا يعني اليوم أيضاً امتلاك القدرة على ردع الاستفزازات والعدوان".
وليست هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ دمّر غواصون تابعون للجيش الروماني في وقت سابق من الشهر الجاري (في 11 آب) مسيّرتين من طراز "غيربيرا" كانتا تنجرفان بالقرب من المشروع نفسه. كما شهدت الأجواء والمياه الرومانية خلال السنوات الأخيرة اختراقات متكررة لمسيّرات مرتبطة بالحرب الأوكرانية، إلى جانب العثور على ألغام بحرية عائمة في مسارات التجارة والطاقة.
لماذا يُعد "نبتون ديب" هدفاً استراتيجياً؟
يمثّل "نبتون ديب" أكبر مشروع لاستخراج الغاز الطبيعي في الجزء الروماني من البحر الأسود، وتتشارك ملكيته شركة "أو إم في بتروم" وشركة "رومغاز" الحكومية.
ومن المتوقع أن يبدأ المشروع الإنتاج خلال عام 2027، بما قد يجعل رومانيا أكبر منتج للغاز في الاتحاد الأوروبي، ويمنح القارة مصدراً إضافياً للطاقة في مرحلة تحاول فيها تقليص اعتمادها على الغاز الروسي
من هنا، فإن أي استهداف للمشروع لن يكون ضربة اقتصادية لرومانيا وحدها، بل رسالة إلى أوروبا بأكملها. فالمعركة على الطاقة باتت جزءاً أساسياً من الحرب، والمنشآت البحرية وخطوط الأنابيب والموانئ تحولت إلى أهداف يمكن الضغط من خلالها على الاقتصادات والحكومات.
حرب المنطقة الرمادية
الاقتراب من منصة الغاز من دون تنفيذ ضربة مؤكدة يضع الحادثة ضمن ما يعرف بـ"حرب المنطقة الرمادية"، حيث يتحرك الطرف المهاجم تحت سقف الحرب الشاملة، مستفيداً من صعوبة تحديد المسؤولية بصورة قاطعة. فالمنطقة الاقتصادية الخالصة لا تتمتع دائماً بالأحكام الدفاعية نفسها التي تتمتع بها الأراضي الوطنية والمياه الإقليمية. ولذلك يمكن إرسال مسيّرة مجهولة أو تركها تنجرف باتجاه منشأة حساسة، ثم إنكار المسؤولية عنها إذا جرى اعتراضها. أما إذا أصابت هدفها، فيصبح الضرر واقعاً، فيما يبدأ الجدل حول مصدرها وما إذا كانت موجهة عمداً أو ضلت طريقها. وهذه المساحة الغامضة هي ما يجعل المسيّرات البحرية سلاحاً مثالياً للاختبار والابتزاز وإرسال الرسائل من دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة.
هل يقترب "الناتو" من الحرب؟
رومانيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وتشترك بحدود برية طويلة مع أوكرانيا. وقد أدى تكرار دخول المسيّرات وسقوط الحطام والألغام البحرية إلى رفع مستوى التأهب على الجناح الشرقي للحلف [10]. لكن إسقاط المسيّرة لا يعني تلقائياً تفعيل المادة الخامسة من معاهدة "الناتو"، لأن ذلك يتطلب إثبات وقوع هجوم مسلح متعمد على دولة عضو، وليس مجرد وجود جسم مجهول داخل منطقة اقتصادية بحرية.
مع ذلك، تحمل العملية دلالة عسكرية وسياسية واضحة: رومانيا انتقلت من مراقبة الخطر وجمع الحطام إلى فتح النار دفاعاً عن بنيتها التحتية. وإذا تكررت الحوادث أو نجحت إحدى المسيّرات في إصابة منصة غاز أو سفينة أو منشأة رومانية، فسيصبح الضغط على الحلف للرد أقوى بكثير. وكان وزراء دفاع رومانيا وبلغاريا وتركيا قد أكدوا مؤخراً على تعزيز التعاون المشترك لحماية البنية التحتية البحرية في البحر الأسود.
الغاز أصبح جبهة حرب
تزامنت الحادثة مع تصعيد روسي واسع ضد كييف، ما يعزز الاعتقاد بأن الحرب تدخل مرحلة استنزاف أكثر خطورة، لا تستهدف الجيوش وحدها، بل تضرب عناصر الحياة الاقتصادية ومصادر الطاقة وطرق التجارة. إن استهداف مشروع مثل "نبتون ديب"، أو حتى الاقتراب منه بمسيّرة مفخخة، يعني أن معركة الغاز الأوروبية لم تعد اقتصادية فقط، وأن كل منشأة جديدة قادرة على تقليص الاعتماد على روسيا قد تتحول إلى نقطة توتر أمنية.
وبذلك، لم تكن الطلقات التي أطلقتها المقاتلة الرومانية فوق البحر الأسود مجرد عملية لإسقاط مسيّرة. كانت إعلاناً بأن الخط الفاصل بين الحرب الأوكرانية وأراضي "الناتو" أصبح أكثر نحولاً، وأن المعركة المقبلة قد تبدأ من منصة غاز معزولة، لا من خندق عسكري.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :