ايكون نيوز
لم تعد المواجهة الممتدة في المنطقة تُقاس بعدد الغارات والصواريخ وحدها، بل بقدرتها على التحكم بالممرات التي يتنفس منها الاقتصاد العالمي. فمن مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر وخليج عُمان، تتشكل جبهة بحرية واحدة تجعل ناقلات النفط والسفن التجارية في قلب الصراع.
آخر فصول التصعيد سُجّل في باب المندب، حيث قُتل ستة أشخاص إثر استهداف الحوثيين سفينة تجارية يمنية بثلاثة صواريخ باليستية، وفق السلطات اليمنية. وبين الضحايا أربعة من أفراد الطاقم واثنان من القوات المتحالفة مع الحكومة اليمنية، في حادث يؤكد انتقال التهديد من التحذير والاعتراض إلى الاستهداف المباشر والدامي.
وتأتي هذه الضربة بعد إعلان الحوثيين حصاراً بحرياً يستهدف حركة السفن المرتبطة بالسعودية، تزامناً مع هجمات طالت منشآت نفطية على ساحل البحر الأحمر. وأظهرت بيانات ملاحية أن حركة السفن عبر باب المندب انخفضت بنحو 24 في المئة منذ بدء التصعيد، فيما بدأت شركات شحن وناقلات بتغيير مساراتها أو تأخير رحلاتها تفادياً للخطر.
تكمن خطورة باب المندب في أنه ليس ممراً محلياً أو إقليمياً. فهو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس، ويمر عبره نحو 12 في المئة من التجارة العالمية وما يقارب ربع حركة الحاويات. وأي اضطراب طويل فيه يفرض على السفن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أسابيع إلى الرحلات ويرفع كلفة الوقود والتأمين والشحن.
لكن الأزمة هذه المرة أكثر تعقيداً، لأن باب المندب كان يُنظر إليه بوصفه أحد البدائل الممكنة بعدما تعطلت الحركة عبر مضيق هرمز. ومع انتقال التوتر إلى البحر الأحمر، أصبح البديل نفسه مهدداً، وبات العالم أمام ضغط مزدوج على بوابتي الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط.
في هرمز، لا تزال الحركة محدودة وسط تعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية وتبادل الاتهامات بشأن عدم تنفيذ الاتفاق المرحلي. وتتهم واشنطن طهران بعدم إعادة فتح المضيق، فيما تقول إيران إن الولايات المتحدة لم ترفع الحصار عن موانئها ولم تفرج عن أصولها المالية. وفي ذروة التراجع، عبرت المضيق سفينتان فقط في أحد الأيام، مقارنة بثماني سفن في اليوم السابق.
وتمر عبر هرمز وحده قرابة خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، فيما ينقل هرمز وباب المندب مجتمعين ما يعادل نحو ربع إمدادات النفط العالمية. وهذا يعني أن السيطرة على المضيقين أو تعطيلهما تمنح الأطراف المتحاربة قدرة على التأثير في الأسعار والتضخم وسلاسل الإمداد بعيداً من ساحات القتال المباشرة.
وقد بدأت الخسائر التجارية تظهر بوضوح. شركة الشحن الألمانية العملاقة «هاباغ لويد» أعلنت تكبدها خسائر بنحو 600 مليون دولار خلال الربع الثاني بسبب اضطرابات هرمز، بينما تراجع صافي أرباحها من 306 ملايين دولار إلى 83 مليوناً. كما بدأت شركات نفط بعرض الخام العراقي من نقاط تحميل تقع خارج المضيق مقابل أسعار أعلى، نتيجة إحجام المشترين عن إرسال ناقلاتهم إلى موانئ البصرة.
وبالتوازي مع الحرب الأمنية والاقتصادية، يواجه بحر العرب كارثة بيئية متصاعدة. فقد وصلت بقعة نفطية ضخمة إلى الساحل العُماني بعد جنوح ناقلة «كارولين بيزنغي» المحملة بنحو 800 ألف برميل من الخام، إثر انفجار مجهول المصدر قرب اليمن. واتسعت البقعة إلى أكثر من 600 كيلومتر مربع، مهددة محميات بحرية وكائنات مهددة بالانقراض، فيما تعرقل الرياح الموسمية عمليات الاحتواء والإنقاذ. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث حتى الآن.
المشهد يكشف أن التفوق العسكري الأميركي وانتشار الأساطيل لم ينجحا حتى الآن في إعادة الأمن الكامل إلى طرق الملاحة. فحماية كل ناقلة وكل سفينة عبر آلاف الكيلومترات البحرية مهمة شبه مستحيلة، خصوصاً عندما تنتشر الصواريخ والمسيّرات والزوارق الهجومية على أكثر من جبهة.
وفي المقابل، تدرك إيران وحلفاؤها أن الضغط على البحار يحقق أثراً يتجاوز قدرة الضربات التقليدية. فكل سفينة تغير مسارها، وكل شركة ترفع كلفة التأمين، وكل برميل يتأخر وصوله، يتحول إلى ورقة ضغط على الحكومات والأسواق الغربية.
ما يجري ليس إغلاقاً كاملاً للمضائق حتى الآن، لكنه استنزاف متدرج وخطير لحركة التجارة الدولية. وإذا استمر التصعيد من دون تسوية سياسية، فقد يجد العالم نفسه أمام واقع جديد تصبح فيه حرية الملاحة خاضعة لموازين الصواريخ والتحالفات، وتتحول البحار من شرايين للتجارة إلى ساحات مفتوحة للحرب.
من باب المندب إلى هرمز، لم تعد المعركة على اليابسة وحدها. إنها معركة على من يمسك بمفاتيح البحر، ومن يستطيع أن يفتح أبواب الاقتصاد العالمي أو يغلقها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :