ست سنوات على جريمة المرفأ... بيروت تتذكر والعدالة لا تزال تحت الأنقاض

ست سنوات على جريمة المرفأ... بيروت تتذكر والعدالة لا تزال تحت الأنقاض

 

 

 

 

 

ايكون نيوز

الثلاثاء 4 آب 2026

في الرابع من آب، لا تحتاج بيروت إلى من يُذكّرها بالموعد. فالمدينة التي بدّلت الكارثة وجهها ما زالت تحفظ اللحظة في جدرانها المهشمة وذاكرة أهلها، وفي أسئلة عائلات الضحايا التي لم تجد حتى اليوم جواباً قضائياً نهائياً: من أدخل نيترات الأمونيوم؟ من سمح بتخزينها؟ من علم بالخطر وصمت؟ ومن عطّل الوصول إلى الحقيقة؟

مرت ست سنوات منذ انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، الذي أودى بحياة أكثر من 220 شخصاً، وأصاب الآلاف، ودمّر أحياءً واسعة من العاصمة. ست سنوات تبدّلت خلالها الحكومات والعهود والوعود، وبقيت العدالة أبطأ من حزن الأهالي، فيما لم تصدر حتى الآن الأحكام التي تحدّد المسؤوليات وتضع حداً لعصر الإفلات من العقاب.

 

بيروت في حداد... ولبنان أمام مرآته

أعلنت رئاسة مجلس الوزراء يوم الثلاثاء 4 آب 2026 يوم حداد وطني، وأُقفلت الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات، ونُكست الأعلام، وطُلب من محطات الإذاعة والتلفزيون تعديل برامجها بما ينسجم مع رمزية المناسبة وحجم المأساة.

كذلك توقفت الصحف اللبنانية الورقية عن الصدور تضامناً مع عائلات الضحايا والجرحى. لكن الحداد، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً من العدالة. فالذكرى ليست مناسبة بروتوكولية تُنكس فيها الأعلام ثم تعود الحياة في اليوم التالي إلى ما كانت عليه؛ إنها استحقاق وطني وقضائي يفترض أن تُفتح فيه الملفات، لا أن تُكتفى فيه بالخطب والبيانات.

 

التحقيق أُنجز... فلماذا يتأخر القرار؟

في 30 آذار 2026، اختتم المحقق العدلي القاضي طارق البيطار تحقيقاته في ملف انفجار المرفأ بعد مسار استمر نحو ست سنوات، وتضمن الادعاء على قرابة سبعين شخصاً، بينهم سياسيون وقادة أمنيون ومسؤولون وموظفون ارتبطت أدوارهم بمراحل وصول الشحنة وتخزينها والتحذيرات المتصلة بخطورتها .

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت التحقيقات قد خُتمت، فما الذي يؤخر صدور القرار الظني؟

الرئيس "جوزاف عون" دخل على خط المطالبة، مؤكداً أن صدور القرار بات ضرورة لا تحتمل مزيداً من الانتظار، وأن إنصاف الضحايا وعائلاتهم لم يعد يقبل التأجيل .

هذا الموقف مهم، لكنه يضع الدولة بأكملها أمام امتحان حقيقي. المطلوب ليس استعجال القضاء بطريقة تؤثر في استقلاله، بل إزالة كل العقبات السياسية والإجرائية التي عطلت عمله، وتأمين الظروف التي تتيح للقرار أن يصدر بعيداً من الترهيب والضغط والحصانات والاصطفافات.

 

تحقيق حاصرته السياسة

لم يكن تأخر العدالة نتيجة تعقيدات تقنية وحدها. فمنذ الأيام الأولى، دخل الملف في متاهة من دعاوى الرد والمخاصمة، والنزاعات على الصلاحيات، والامتناع عن المثول، والتجاذبات السياسية التي جمّدت التحقيق فترات طويلة.

القاضي "فادي صوان"، أول محقق عدلي في القضية، أُبعد عن الملف عام 2021 بعد دعاوى تقدم بها مسؤولون ادعى عليهم. ثم واجه القاضي طارق البيطار المسار نفسه تقريباً، فتراكمت الدعاوى وتوقف التحقيق، قبل أن يستأنف لاحقاً وسط مواجهة قضائية وسياسية مفتوحة .

وهكذا تحولت القضية من تحقيق في إحدى أكبر الكوارث التي شهدها لبنان إلى اختبار لمدى قدرة القضاء على الاقتراب من أصحاب النفوذ. وفي كل مرة كان التحقيق يقترب من موقع حساس، كانت تظهر عقبة قانونية أو سياسية جديدة، حتى بدا وكأن النظام يحاكم التحقيق بدلاً من أن يساعده على محاكمة المسؤولين.

 

الحقيقة لا تنتقي ضحاياها ولا المتهمين

قضية المرفأ لا يجوز أن تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية، كما لا يجوز استخدامها لحماية أي فريق أو مسؤول. العدالة التي يريدها اللبنانيون ليست رواية تُكتب وفق هوية المتهم، ولا اتهاماً مسبقاً بلا أدلة، ولا تبرئة سياسية قبل المحاكمة.

المطلوب قرار قضائي واضح، قائم على المستندات والإفادات والتسلسل الإداري والأمني الكامل: منذ لحظة وصول السفينة وشحنتها إلى المياه اللبنانية، مروراً بتفريغ المواد وتخزينها، وصولاً إلى التحذيرات والمراسلات والإجراءات التي اتُخذت أو أُهملت.

لا أحد يجب أن يكون فوق السؤال، وفي الوقت نفسه لا أحد يجب أن يُدان خارج القضاء. وحده التحقيق المكتمل، متبوعاً بمحاكمة عادلة وعلنية، يستطيع الفصل بين المسؤولية المباشرة والإهمال والتقصير والاستغلال السياسي.

 

عائلات الضحايا... ست سنوات من الانتظار

خلال السنوات الست، لم تطالب العائلات بالانتقام، بل بالحقيقة والمحاسبة. حملت صور أبنائها في الشوارع، ووقفت أمام قصر العدل، وواجهت حملات التخوين والانقسام، وأعادت القضية إلى الواجهة كلما حاول النسيان ابتلاعها.

لقد أثبتت هذه العائلات أن العدالة ليست ملفاً قضائياً بارداً، بل حقاً إنسانياً ووطنياً. فالتأخير لا يعاقب الضحايا وحدهم، بل يوجه رسالة إلى كل لبناني بأن الإهمال الكبير يمكن أن يمر بلا حساب، وأن النفوذ قادر على تعطيل الحقيقة مهما كان حجم الكارثة.

 

ما بعد القرار الظني

صدور القرار الظني، عندما يحصل، لن يكون نهاية الطريق، بل بدايته القضائية الفعلية. فهو سيحدد الوقائع والتهم والمسؤوليات كما توصل إليها التحقيق، ويفتح الطريق أمام المحاكمات وممارسة حق الدفاع ومناقشة الأدلة وصولاً إلى الأحكام.

من هنا، فإن الرهان لا يجب أن يتوقف عند إصدار القرار، بل على حماية الملف في مراحله اللاحقة، ومنع إغراقه في دوامة جديدة من التعطيل. فالعدالة المتأخرة مؤلمة، لكن الأخطر أن تتحول إلى عدالة شكلية تُصدر أوراقها ولا تصل إلى محاسبة فعلية.

 

بيروت لا تريد تمثالاً للحزن

بعد ست سنوات، لا تحتاج العاصمة إلى مزيد من الكلمات المنمقة. تحتاج إلى دولة تقول لأهلها إن حياة الإنسان ليست تفصيلاً، وإن الوظيفة العامة مسؤولية، وإن من يعلم بوجود خطر ولا يتحرك سيحاسب، وإن الحصانة لا يمكن أن تكون جداراً يحمي الإهمال.

بيروت لا تريد أن تتحول إلى تمثال للحزن، ولا أن تبقى صورة الانفجار مادة موسمية تعود كل عام ثم تختفي. تريد معرفة الحقيقة كاملة، بأسماء المسؤولين وأدوارهم، من دون حماية أو انتقائية أو انتقام.

في 4 آب 2026، تقف الدولة اللبنانية أمام سؤال واحد لا يحتمل المراوغة:

إذا كان التحقيق قد انتهى، وإذا كانت الوقائع قد جُمعت، وإذا كان الجميع يعلن دعمه لاستقلال القضاء، فمن يؤخر القرار؟

ست سنوات على انفجار المرفأ، وما زالت الساعة متوقفة عند السادسة وسبع دقائق. لكن الزمن الذي تجمد في ذاكرة بيروت لن يتحرك فعلاً إلا عندما تصدر الحقيقة باسم الشعب اللبناني، ويصبح الحداد عدالة، والذكرى محاسبة، والوعد حكماً لا يتعطل أمام أبواب السياسة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي