من لجنة الميكانيزم إلى لجنة MCG4L: هل انتقل لبنان من مراقبة وقف الأعمال العدائية إلى إدارة أمنية مؤسسية؟

من لجنة الميكانيزم إلى لجنة MCG4L: هل انتقل لبنان من مراقبة وقف الأعمال العدائية إلى إدارة أمنية مؤسسية؟

 

 

 

 

خاص ايكون نيوز 

الدكتورة رشا ابو حيدر 

لا تُقاس الاتفاقات الدولية بما تتضمنه من نصوص فحسب، وإنما أيضًا بالمؤسسات التي تنشئها لتنفيذ تلك النصوص. فالتجربة الدولية أثبتت أن اللجان المشتركة قد تبدأ كهيئات تقنية محدودة الصلاحيات، ثم تتحول تدريجيًا إلى أطر مؤسسية تؤثر في تفسير الاتفاقات وإدارة العلاقات بين أطرافها. ومن هنا، فإن قراءة اتفاق الإطار لعام 2026 لا تكتمل من دون التوقف عند اللجنة التي أنشأها، والمعروفة باسم **MCG4L**، ومقارنتها باللجان التي سبقتها.

 

لم يكن هذا النموذج جديدًا في العلاقة اللبنانية – الإسرائيلية. فقد أنشأت **اتفاقية الهدنة لعام 1949** لجنة الهدنة المختلطة بإشراف الأمم المتحدة، وكانت مهمتها الفصل في الشكاوى المتعلقة بانتهاكات الهدنة، والمحافظة على استقرار خطوط وقف إطلاق النار. ولم تكن تلك اللجنة تملك سلطة سياسية أو تنفيذية، بل كانت إطارًا فنيًا لتطبيق أحكام الاتفاق.

 

وبعد عقود، جاء تفاهم وقف الأعمال العدائية ليؤسس ما عُرف بلجنة **الميكانيزم**، وهي لجنة انحصرت وظيفتها في مراقبة تنفيذ وقف الأعمال العدائية، والتحقق من الخروقات، وتسهيل التواصل غير المباشر بين الأطراف عبر الوسيط الأميركي وبمشاركة الأمم المتحدة. وكانت وظيفتها بطبيعتها وظيفة رقابية، هدفها منع انهيار وقف إطلاق النار وليس إدارة الملف الأمني بين الطرفين.

 

أما اتفاق الإطار لعام 2026، فقد قدّم نموذجًا مختلفًا عبر إنشاء لجنة **MCG4L**، التي لا يقتصر دورها على رصد الخروقات، وإنما يمتد إلى تنسيق تنفيذ الترتيبات الأمنية، ومتابعة إعادة الانتشار، والإشراف على آليات التحقق، ومعالجة الإشكالات التنفيذية التي قد تنشأ أثناء تطبيق الاتفاق. وبذلك تنتقل اللجنة من دور "المراقب" إلى دور "المنسق التنفيذي".

 

وهنا يبرز الفارق القانوني الجوهري. فهناك فرق بين لجنة تراقب تنفيذ اتفاق قائم، وبين لجنة تشارك في إدارة تنفيذ الاتفاق ذاته. فاللجنة الأولى تكتفي بتسجيل الوقائع ورفع التوصيات، أما الثانية فتدخل في تفاصيل التطبيق العملي، وتصبح جزءًا من عملية اتخاذ القرار التنفيذي، ولو بصورة غير مباشرة.

 

ولا يعني ذلك، من الناحية القانونية، أن إنشاء لجنة تنسيق يشكل بذاته انتقاصًا من سيادة الدولة. فالقانون الدولي يعرف عشرات اللجان المشتركة التي أُنشئت لتنفيذ اتفاقات الحدود أو السلام أو وقف إطلاق النار، ولم تُعدّ في ذاتها مساسًا بالسيادة. إلا أن المعيار الحقيقي يكمن في طبيعة الصلاحيات الممنوحة لها، ومدى إلزامية قراراتها، وما إذا كانت تقتصر على التنسيق أم تتحول إلى مرجع لتفسير الاتفاق وفرض كيفية تنفيذه.

 

وفي الحالة اللبنانية، يكتسب الأمر حساسية مضاعفة. فكل توسع في وظائف لجنة مشتركة مع إسرائيل يثير بطبيعته نقاشًا قانونيًا وسياسيًا حول الحدود الفاصلة بين "التنسيق التنفيذي" الذي تفرضه مقتضيات الأمن، و"الإدارة المشتركة" التي قد تُفهم على أنها إنشاء قناة مؤسساتية دائمة بين الطرفين.

 

ويرى أنصار الاتفاق أن لجنة **MCG4L** ليست سوى أداة تقنية لتجنب الاحتكاك العسكري، وضمان تنفيذ الالتزامات، وتسريع الانسحاب الإسرائيلي، وأنها لا تنشئ أي علاقة دبلوماسية أو سياسية، ولا تمثل شكلًا من أشكال التطبيع، لأنها تعمل في إطار أمني محدد وبرعاية دولية.

 

في المقابل، يذهب منتقدوها إلى أن اتساع اختصاصها، واستمرار عملها، وتدخلها في تفاصيل التنفيذ، يجعلها تتجاوز النموذج التقليدي للجان مراقبة وقف إطلاق النار، ويقربها من نموذج اللجان التنفيذية التي تدير الالتزامات الأمنية بصورة مستمرة، وهو ما قد يمنحها مع مرور الوقت دورًا يتجاوز ما يبدو في النصوص.

 

واللافت أن التجارب الدولية تظهر أن أثر هذه اللجان لا يُقاس بما تمنحه الاتفاقات من صلاحيات عند إنشائها، وإنما بما تكتسبه من نفوذ عملي مع مرور الزمن. فكثير من اللجان الفنية أصبحت، بفعل الممارسة، المرجع الأول لتفسير الاتفاقات وحل النزاعات الناشئة عنها، دون أن تكون محاكم أو هيئات تحكيم.

 

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل لجنة **MCG4L** أخطر من لجنة الميكانيزم؟ بل: هل الضمانات القانونية الواردة في الاتفاق كافية لمنع تحولها من لجنة تنسيق إلى هيئة ذات تأثير فعلي في إدارة القرار الأمني اللبناني؟

 

فالسيادة في القانون الدولي لا تنتقص بمجرد إنشاء لجنة مشتركة، وإنما عندما تصبح هذه اللجنة مصدرًا لالتزامات عملية تتجاوز الإرادة المنفردة للدولة، أو عندما تتحول قراراتها أو تفسيراتها إلى مرجعية لا يمكن تجاوزها.

 

ومن ثم، فإن التقييم الموضوعي للجنة الجديدة لا ينبغي أن يقوم على اسمها أو على وجودها، وإنما على حدود ولايتها القانونية، وآلية اتخاذ قراراتها، ومدى خضوع أعمالها لسلطة الدولة اللبنانية. فهذه العناصر وحدها هي التي تحدد ما إذا كانت اللجنة مجرد أداة لتنفيذ اتفاق مؤقت، أم بداية لبناء إطار مؤسسي دائم لإدارة العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل.

 

إن التاريخ القانوني يعلمنا أن المؤسسات تبقى غالبًا أطول من الاتفاقات نفسها، وأن اللجان التي تولد بصفة تقنية قد تصبح مع الزمن جزءًا من البنية القانونية للعلاقات الدولية. ولذلك، فإن التدقيق في اختصاصات MCG4L ليس نقاشًا إجرائيًا، بل هو نقاش يتعلق بمستقبل إدارة الملف الأمني اللبناني وحدود السيادة الوطنية في مرحلة ما بعد اتفاق الإطار.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي