كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
كفرسلوان... أرضٌ بملايين الأمتار وحلمٌ ينتظر منذ ثلاثة عقود*
## *قصة بلدة معلّقة بين جمال الجبل وقسوة الشتاء... ومبادرة الشيخ نواف حاطوم التي أرادت تحويل الأرض إلى مستقبل للأجيال*
في أعالي المتن، حيث تتكئ القرى على جبالها وتحفظ الذاكرة في حجارتها، تقع *كفرسلوان... قرية هادئة معلّقة بين سفح **جبل الكنيسة* والوادي، تختزن في طبيعتها سحر الجبل اللبناني، وفي أهلها أصالة العادات التي توارثتها الأجيال.
هي البلدة التي يردّ صيفها الروح بجمال مناظرها وهدوء طبيعتها، حيث تمتزج الغابات والينابيع والهواء النقي، لكنها في الشتاء تواجه وجهًا آخر للطبيعة؛ إذ يغمرها الثلج والجليد، ويشتد فيها الزمهرير، فتتحول الطرقات إلى اختبار يومي لسكانها، ولا سيما للأطفال الذين يبحثون عن حقهم الطبيعي في التعليم.
فأهل كفرسلوان، الذين عُرفوا عبر الأجيال بطيبتهم وكرم ضيافتهم، وبالأبواب المفتوحة أمام القريب والغريب، لم تكن معاناتهم يومًا بسبب غياب الإرادة أو المحبة للأرض، بل بسبب تحديات فرضتها الظروف الجغرافية والإنمائية.
بين الثلج وغياب المدرسة... معاناة أجيال
من أكثر الملفات التي أثقلت حياة البلدة غياب مدرسة داخلها، الأمر الذي دفع أبناءها إلى إرسال أولادهم إلى القرى المجاورة طلبًا للعلم.
لكن الطريق إلى المدرسة لم يكن مجرد مسافة تُقطع، بل كان معاناة حقيقية خلال أشهر الشتاء الطويلة؛ فالثلوج والجليد والانهيارات وصعوبة التنقل جعلت رحلة التلاميذ محفوفة بالمشقة، وأصبح التعليم نفسه مرتبطًا بقدرة العائلة على مواجهة ظروف الطبيعة القاسية.
ولم تكن أزمة التعليم هي الوحيدة. فالمفارقة الكبرى أن كفرسلوان، رغم امتلاكها مساحات واسعة من الأراضي تقدر بملايين الأمتار، عانت من نقص الوحدات السكنية، ما جعل العديد من شبابها يواجهون صعوبة في تأمين منزل مستقل، وأدى ذلك إلى استمرار الأجيال ضمن نطاقات سكنية ضيقة بسبب صعوبة تملك الأراضي أو البناء.
هنا برز السؤال الأساسي: كيف يمكن لبلدة تملك هذه المساحات أن تعجز عن تأمين مدرسة وسكن لأبنائها؟
الشيخ نواف حاطوم... عندما تتحول المسؤولية إلى مبادرة
أمام هذا الواقع، لم ينتظر الشيخ *نواف بشير حاطوم* أن تأتي الحلول من الخارج، بل قرر أن يبدأ من حيث تبدأ كل المشاريع الكبرى: من الإيمان بأن المشكلة يمكن حلها بالإرادة والعمل.
فانطلق بدراسة إمكانية تخصيص قطعة أرض لإقامة مشروع يخدم أبناء البلدة، يجمع بين بناء مدرسة تؤمن التعليم للأجيال القادمة، وإنشاء وحدات سكنية تساعد الشباب الذين لا يملكون القدرة على شراء أو بناء منازلهم.
وكانت المبادرة في حينها مبادرة فردية، خصوصًا أن البلدة لم تكن تملك مجلسًا بلديًا يتولى متابعة هذا النوع من المشاريع.
وبعد البحث والدراسة، وقع الاختيار على عقار قريب من البلدة تبلغ مساحته نحو *200 ألف متر مربع*، ليكون قاعدة لهذا المشروع التنموي.
لكن الطريق لم يكن سهلًا، إذ اصطدمت المبادرة بالإجراءات القانونية، حيث أُبلغ الشيخ حاطوم بأن عقارًا بهذه المساحة يحتاج إلى مرسوم جمهوري، وأن تحويل كامل المساحة لم يكن أمرًا بسيطًا.
إلا أن العقبات لم توقف المشروع.
قام الشيخ حاطوم، وعلى نفقته الخاصة، بدراسة العقار بالتعاون مع مجموعة من المهندسين، للوصول إلى صيغة عملية قابلة للتنفيذ، فكان الاقتراح إنشاء مشروع متكامل يضم *مدرسة ووحدات سكنية*، ليصبح العقار أداة لبناء مستقبل البلدة وليس مجرد مساحة من الأرض.
من كفرسلوان إلى رئاسة الحكومة... مشروع وصل إلى الدولة
بعد استكمال الدراسات والملفات، توجه الشيخ نواف حاطوم إلى رئيس الحكومة آنذاك، الراحل *الرئيس سليم الحص*، الذي عُرف بنظرته الوطنية وبحرصه على دعم المبادرات التي تخدم المصلحة العامة.
وقد تلقف الرئيس الحص المشروع بإيجابية، وأحال الملف إلى القصر الجمهوري لاستكمال الإجراءات الدستورية، وصولًا إلى إصدار مرسوم يقضي بتحويل ملكية العقار من *المشاع العام للبلدة إلى ملكية بلدية كفرسلوان*، لتصبح الأرض متاحة لمشروع يخدم أبناءها.
كان ذلك إنجازًا كبيرًا، لأنه نقل الفكرة من إطار الحلم إلى الإطار القانوني، وفتح الباب أمام إمكانية تحقيق مشروع تنموي طال انتظاره.
ثلاثون عامًا من الانتظار... حلم لم يكتمل
لكن المفارقة المؤلمة أن المشروع الذي بدأ العام *1996* لم يرَ النور حتى اليوم.
تعاقبت مجالس بلدية عدة على البلدة، وبقي المشروع ينتظر التنفيذ، فيما تقدم الشيخ نواف حاطوم في العمر، وبلغ عقده التاسع، وهو يحمل في قلبه غصة مشروع أراده خدمة للأجيال، لا إنجازًا شخصيًا.
وللإنصاف، فقد شهد الملف خطوة عملية، إذ قام أحد المجالس البلدية بتسجيل قسم من العقار باسم *وزارة التربية* بهدف تشييد المدرسة، وأُحيل التنفيذ إلى *مجلس الإنماء والإعمار*.
وبدأت الأعمال التنفيذية بالفعل، إلا أن الظروف الوطنية والاقتصادية حالت دون استمرارها. ففي العام *2019*، ومع انطلاق أعمال المتعهد، وقع انفجار مرفأ بيروت، وتزامن ذلك مع الأزمة الاقتصادية والانهيار الكبير في سعر صرف الدولار، ما أدى إلى ارتفاع كلفة المشروع بشكل كبير، الأمر الذي دفع المتعهد إلى التوقف عن العمل.
ومنذ ذلك الوقت، عاد المشروع إلى دائرة الانتظار، وبقيت المدرسة التي حلم بها أبناء كفرسلوان، والتي كان يمكن أن تكون عنوانًا لاستقرار الأجيال، معلّقة بين الحاجة والقدرة على التنفيذ.
اليوم... كفرسلوان تتمسك بالحلم
اليوم، يجدد الشيخ نواف حاطوم، ومعه أبناء البلدة، الدعوة إلى إعادة تحريك هذا الملف وإنجاز المشروع الحيوي.
فالقضية لم تعد قضية عقار أو بناء فقط، بل أصبحت قضية بقاء وتنمية ومستقبل. إنها قضية أطفال يحتاجون إلى مدرسة قريبة، وشباب يحتاجون إلى فرصة للاستقرار في أرضهم، وبلدة تريد أن تحول ثروتها العقارية إلى حياة.
إن قصة كفرسلوان تختصر قصة الكثير من القرى اللبنانية: مبادرات تولد من وجع الناس، وأحلام يحملها أفراد بإيمان كبير، لكنها تحتاج إلى قرار رسمي يحولها إلى واقع.
فالأرض لا تُقاس فقط بمساحتها، بل بما تقدمه للإنسان الذي يعيش عليها.
ويبقى حلم كفرسلوان قائمًا:
أن تتحول تلك الأرض يومًا إلى مدرسة تفتح أبوابها للأطفال، وبيوت تحتضن الشباب، وشاهد حي على أن إرادة الإنسان قادرة على صناعة المستقبل عندما تجد من يصغي إليها.
أحيانًا لا يكون التاريخ مجموعة أحداث كبرى فقط، بل قصة إنسان وقف في وجه النسيان. وفي كفرسلوان، تختصر قصة الشيخ نواف حاطوم سؤالًا لبنانيًا قديمًا: كم من المشاريع التي ولدت من إرادة الناس بقيت تنتظر قرارًا لكي تصبح حقيقة؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :