أبعاد التوتر في الشرق الأوسط بين حسابات القوة ومنطق التفاوض
أبعاد التوتر في الشرق الأوسط في حسابات واشنطن وطهران
أجواء شديدة التوتر تهيمن على منطقة الشرق الأوسط. فاستعادة المفاوضات بين واشنطن وطهران مستبعدة في الوقت الحالي وفي المدى المنظور القريب ومعها مساعي الوسطاء الذين لا يلقون آذانا صاغية. فالعلاقة بين الولايات المتحدة وايران أصبحت خارج "مذكرة التفاهم" وفقا للقراءات المتباينة لها ولبنودها ومع غياب فكرة التنازلات المتبادلة.
واشنطن تسعى عبر استمرار حملاتها العسكرية واستعمال القوة والخطاب العالي السقف للرئيس دونالد ترامب ومحاولة استدراج دول حلف الناتو إلى المشاركة في الحرب على ايران وحصارها كما جذب دول الخليج وإخراجها من الحياد. واشنطن هدفها التصعيد المدروس عبر بوابة "حرية الملاحة في مضيق هرمز" لاستدراج ايران إلى مفاوضات وفقا للقراءة الأميركية. وواقع الأمر أن مثل هذا الإستدراج لا يجدي نفعا مع الجانب الايراني الذي يعتبر أن فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في الحرب على ايران حوّلها للضغط عبر مضيق هرمز الذي تعتبره ايران "القنبلة النووية" التي تمتلكها بالإقتصاد والنفط والغذاء والبورصات والأسواق المالية بديلا للسلاح النووي الذي تعرف واشنطن مسبقا أن ايران لا تسعى إليه ولا تريده بحكم "التحريم الديني". وأن ما تبتغيه هو "التخصيب النووي" لأغراض سلميّة ومدنيّة وأنها أبدت استعدادا في المفاوضات لنقاش مقبول حول منسوب التخصيب.
مقاربات الرئيس ترامب في "فن الصفقة" تفترض عجلة في إبرامها. ولكن ليس مع ايران الصبورة والتي تعطي الوقت وقتا إضافيا والتي تعرف أن الضغوط الأميركية عليها تستتبع ضغوطا على كل دول العالم مجتمعة لأن إغلاق مضيق هرمز هذه المرة يؤدي إلى أزمة عالمية متفاقمة في سوق النفط والغذاء والملاذات المالية الآمنة وفي التضخم وفي أسعار الغذاء والكهرباء والسماد الذي تحتاجه الزراعة وفي تعميم ظاهرة البطالة وهذا أمر غير محتمل لا أميركيا ولا روسيا وصينيا وأوروبيا وخليجيا وآسيويا ولا في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة وكندا. وكل ذلك يفترض معالجات دولية واسعة أو انهيارات شاملة وحروبا غير متوقعة واستطرادا إحتمالات مواجهات نووية ليست في صالح أحد. وهذه ناحية يدركها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس الذي رفع الصوت عاليا في اعتراض ذهاب الولايات المتحدة إلى حرب شاملة وفي انحيازه الواضح للخيار الديبلوماسي ولحل التفاوض وفي اعتراضه على حرب برية ضد ايران يدعو إليها غلاة التطرف الأميركي عبر مشاركة ١٥٠ ألف جندي أميركي فيها وبتشجيع من اسرائيل.
وكلام جيه دي فانس هذا جاء ليسبق زيارة رئيس الحكومة الاسرائيلية إلى واشنطن ولقاءه والرئيس دونالد ترامب. وهو كلام يعبّر عن اعتراض الرأي العام الأميركي على ذهاب الولايات المتحدة إلى الحرب في الخارج ما يضع حدودا لطروحات اليمين الأميركي المحافظ واليمين الديني اليهودي وكما يفتح الباب إلى الذهاب في حسابات أميركية جديدة تخفف من التوتر الدولي وترفع من "منسوب العقلانية" في تفكير الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفي الإستجابة إلى براغماتية سياسية أميركية هي في مرتكز الأمن القومي الأميركي الذي تعطيه "دولة أميركا العميقة" الأولوية على أي دور آخر بما فيه "فلسفة الصفقة" التي يتبناها الرئيس ترامب بالمفهوم التجاري.
السياسة العاقلة لجيه دي فانس في لجم استجابة البيت الأبيض لطروحات نتنياهو حول ايران تفترض "مرونة ايرانية" وتقاطعا مع نائب الرئيس الأميركي لأن ذلك يعطي دفعا للوساطات باتجاه معاودة التفاوض لا الحرب. وهذا في مصلحة ايران وجيرانها. وخصوصا أن معطى الحرب هو المضي بهدم البنى التحتية لايران والدول الخليجية والقواعد العسكرية الأميركية. ولا مصلحة لأحد في ذلك سوى للشركات المتعددة الجنسية التي تبغي الربح وتوسيع شبكة إحكامها الاقتصادي والمالي والسياسي على المنطقة ودولها ومعها المجمّع الصناعي الحربي رغم التعارض في المصالح أحيانا كثيرة.
خلاصة الأمر يجازف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسياسة التصعيد العسكري نحو ايران بإطالة الضغوط علّها تُنجز تراجعا ايرانيا. وهو في حساباته هذه يُغفل أن "مضيق هرمز" جلب لاعبين دوليين إلى الملعب لا يشاطرونه لا حساباته في "الصفقة" ولا تقديراته في موازين القوى وتشابك الأزمات.
عبد الهادي محفوظ
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي