كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
حينَ تُفارقُ البوصلةُ ظِلَّها: لبنان بين وعدٍ خانَ وكرامةٍ تُراهَن
في لبنان، لا تُوزَّعُ الأزماتُ على ميزانِ الانهيارِ وَحْدَهُ، بل على مَكاييلِ ما تفضَحُه من عَوراتِ الحُكْمِ، وانحِرافِ البَصيرة، وسُقوطٍ مُدوٍّ في امتحانِ الصِّدقِ مع النَّاس. فما يَجرِي اليومَ لم يَعُدْ عَثْرَةَ إداريٍّ يَنْهَضُ، ولا ارتِباكَ سِياسيٍّ يُعْتَذَرُ عنهُ، بل صارَ مَشْهَدًا خَلَعَ فيهِ مَن رَفَعَ رايَةَ الشَّفافِيَّةِ والإصلاحِ قِناعَهُ، ليُبْقيَ اللُّبْنانيينَ وُجُوهًا لِوَجْهٍ مع مَعيشَةٍ تُسْحَقُ كُلَّ صباح، وضَرائِبَ تَتَعَثْكَرُ كالجَنادِبِ على جُرْحِ الفَقْرِ، وأعباءً تَتَوالَدُ كُلَّما ضاقَتْ بِالنَّاسِ السُّبُلُ، بينَما الكلامُ الرَّسميُّ لا يَزالُ يَسْتَجْدِي النُّفوسَ أنْ تُصَدِّقَ ما تُكَذِّبُهُ الوَقائِعُ كُلَّ يَوْمٍ، بِلا رِحْمَةٍ ولا خَجَلٍ.
لقدْ قِيلَ في خِطابِ القَسَمِ ما يَكْفِي لإِقامَةِ مَدينَةٍ فاضِلَةٍ، وَوُعِدَ اللُّبْنانيونَ بأنَّ تلكَ الكَلِماتِ مَطْلَعُ خَلاصٍ، لكنَّ الفَجْوَةَ بينَ البَيانِ والواقِعِ اتَّسَعَتْ حتى صارَتْ فَضيحَةً سياسِيَّةً مُكْتَمِلَةَ الأَرْكانِ. فأَيْنَ الشَّفافِيَّةُ، يا أَيُّها السَّادةُ، حينَ تُرْفَعُ أَسْعارُ المُشْتَقَّاتِ النِّفْطِيَّةِ كالصَّاروخِ عِنْدَ صُعودِ النِّفْطِ، ثُمَّ تَظَلُّ مُرْتَفِعَةً كالجَبَلِ حينَ يَتَراجَعُ؟ وأَيْنَ الإصلاحُ، إذا كانتِ الدَّوْلَةُ لا تَجِدُ في جَيْبِ المُواطِنِ إلا الحَلَّ الأَسْهَلَ، ولا تُحْسِنُ إلا ابْتِكارَ وَسائِلِ الجِبايَةِ، عِوَضَ بِناءِ سِياساتِ عَدالَةٍ وإنْقاذٍ؟
لقد صارَ السُّؤالُ، اليومَ، ليسَ تِقَنِيًّا يُدارُ في غُرَفِ المَصْلَحَةِ، بل أَخْلاقِيًّا بامْتِيازٍ: مَن يَحْكُمُ بِاسْمِ الشَّفافِيَّةِ والإصلاحِ، مُطالَبٌ بأنْ يُجِيبَ، لا أنْ يُراوِغَ، وأنْ يُفَسِّرَ، لا أنْ يَخْتَبِئَ وراءَ الصِّيَغِ الخَشَبِيَّةِ والوُعودِ المُؤَجَّلَةِ التي تَذُوبُ كالسَّرابِ في فَمِ الصَّحْراء.
الإخفاقُ الاقتصاديُّ: أرقامٌ تكذِبُ الخطابَ
إنَّ النَّظرَ في المشهدِ الاقتصاديّ، بِما تَكشِفُه التقاريرُ الدَّوليَّةُ من أرقامٍ باردةٍ، يُعيدُ تشكيلَ الصورةِ ذاتَها. صحيحٌ أنَّ البنكَ الدَّوليَّ قَدَّرَ نموَّ الناتجِ المحلِّيِّ الإجماليِّ الحقيقيِّ بنسبةِ 3.5% في عامِ 2025، مع توقُّعاتٍ بنموٍّ 4% في 2026، بعدَ انكماشٍ تراكَمَتْ نِسبَتُه حتَّى 40% بينَ 2019 و2024. وصحيحٌ أنَّ التضخُّمَ هبطَ إلى 15.2% في 2025، مع توقُّعاتٍ ببلوغِ خانةِ الآحادِ (8.7%) في 2026 للمرَّةِ الأولى منذُ 2019. بل وصحيحٌ أنَّ هناكَ إصلاحاتٍ شكليَّةً، كتعديلِ قانونِ السِّرِّ المصرفيِّ، وإقرارِ قانونِ إعادةِ هيكلةِ القطاعِ المصرفيِّ، وتعيينِ هيئاتٍ تنظيميَّةٍ لقطاعاتٍ ظلَّتْ سنواتٍ دونَ رقيبٍ.
غيرَ أنَّ هذهِ الأرقامَ، إذا ما قُرِئَتْ بعيونِ المُواطنِ الذي يُعاني وَطْأَةَ الغَلاءِ، لا تَروي إلا قِسطاً يسيراً من الحقيقة. فالانتعاشُ، في جوهرِهِ، مُرْتَهَنٌ بتحويلاتِ المغتربينَ التي تَغذِّي الاستهلاكَ الخاصَّ، وبعودةِ النشاطِ السياحيِّ في أشهرِ الصيفِ، وليسَ بإصلاحٍ هيكليٍّ يُعْنَى بكرامةِ الإنسانِ أو عدالةِ الضريبةِ. أمَّا الجانبُ المُظلِمُ، فهو أنَّ الدَّينَ العامَّ لا يزالُ يُشكِّلُ 176.5% من الناتجِ المحلِّيِّ، وأنَّ 98% من هذا الدَّينِ مُقَوَّمٌ بالعملاتِ الأجنبيَّةِ، مع عدمِ إحرازِ أيِّ تقدُّمٍ يُذكَر في إعادةِ هيكلتهِ منذُ التَّعثُّرِ السياديِّ في آذارِ 2020. وهذا يعني، بلغةِ الأرقامِ التي لا تَكذِبُ، أنَّ لبنانَ ما زالَ مَقصيًّا عن أسواقِ المالِ الدَّوليَّةِ، وأنَّ وعدَ الإصلاحِ ما زالَ رَهْنَ قانونِ "الفجوةِ الماليَّة" الذي لم يُقَرَّ بعدُ.
أمَّا على صعيدِ الجِبايةِ، فإنَّ الأرقامَ تُفصحُ عن سياسةٍ ضريبيَّةٍ عشوائيَّةٍ لا تَستهدِفُ العدالةَ، بل تَستهدِفُ سَدَّ العجزِ بأيِّ ثمنٍ: إذ ارتفعتِ الإيراداتُ الضريبيَّةُ غيرُ المباشرةِ في النصفِ الأوَّلِ من 2025، بفضلِ زيادةِ 74.8% في الرسومِ الجمركيَّةِ والاستهلاكية، وهي ضرائبُ تَطالُ الفقيرَ والغنيَّ على السَّواء، ولا تُميِّزُ بينَ مُكتنِزٍ ومُعدِم. فهل هذا هو الإصلاحُ الذي وُعِدَ به اللُّبنانيون؟ وهل هذه هي الشَّفافيَّةُ التي رُفِعَتْ لها الرَّايات؟
التفاوضُ من موقعِ الإذعان: هزيمةٌ تَتَخفَّى في ثيابِ الدبلوماسيَّة
غَيْرَ أنَّ الإِخْفاقَ الحُكُومِيَّ، على فَداحَتِهِ، ليسَ الوَجْهَ الوَحيدَ لِمَأْساةِ هذا البَلَدِ. فالأَخْطَرُ منه، والأَمَرُّ، أنْ يُسْتَكْمَلَ هذا العَجْزُ الدَّاخِلِيُّ بِمَسارٍ تَفاوُضِيٍّ يَهْبِطُ من سَقْفِ الكَرامَةِ الوَطَنِيَّةِ إلى دَرَكِ الإِذْعانِ، ويَنْطَلِقُ إلى واشِنْطُنَ لا من مَوقِعِ مَن يُفاوِضُ على حَقٍّ، بل من مَوقِعِ مَن يَطْلُبُ شَرْعَنَةَ ما لا يَجُوزُ أنْ يُشَرْعَنَ.
فقد وقَّعَ لبنانُ، في حزيرانَ 2026، اتفاقاً إطاريًّا ثلاثيًّا معَ الولاياتِ المتَّحدةِ وإسرائيل، يَضَعُ خارطةَ طريقٍ لِما يُسمَّى "السلامِ الدَّائم". وهذا الاتفاقُ، الذي قُدِّمَ على أنَّهُ "خطوةٌ شجاعة"، يَحمِلُ في طَيّاتِهِ ما يُفيدُ أنَّ إسرائيلَ "ليسَ لها أيُّ طموحاتٍ إقليميَّةٍ في لبنان"، وأنَّ انسحابَ جيشِها مِنَ الجنوبِ سيَكونُ مشروطاً بـ"نَزعِ سلاحِ الجماعاتِ غيرِ الحكوميَّةِ وتحقيقِ السيادةِ الفعليَّةِ للجيشِ اللُّبنانيِّ على كاملِ الأراضي"، وذلكَ في "مناطقَ تجريبيَّةٍ" يُتَّفَقُ عليها لاحقاً.
لكنَّ القارئَ المُتَأَمِّلَ لِنصِّ الاتفاقِ يُدرِكُ أنَّ لبنانَ وقَّعَ، بلغةِ القانونِ الدَّوليِّ، على اعترافٍ ضمنيٍّ بِشَرعِيَّةِ الوجودِ الإسرائيليِّ في الجنوبِ، وعلى قبولِ أنَّ انسحابَهُ مرتبِطٌ بشروطٍ يَضعُها الطَّرفُ الآخر، لا بإرادةٍ وطنيَّةٍ. كما أنَّ الاتفاقَ يَجعَلُ مِن "نَزعِ سلاحِ حزبِ الله" شرطاً أساسياً لأيِّ انسحاب، في وقتٍ يَرفُضُ فيهِ الحزبُ هذا الشرطَ بشكلٍ قاطعٍ، ويَعتَبِرُ الاتفاقَ "فاقداً للشَّرعيَّةِ الدُّستوريَّة"، ومَهدِّداً بإشعالِ فتنةٍ داخليَّة. والسؤالُ هنا: كيفَ يُفاوِضُ لبنانُ على انسحابِ قوَّةٍ محتلَّةٍ من أرضِهِ، فيَجعَلُ هذا الانسحابَ رهناً بتحقيقِ شرطٍ لا يَملِكُ وحدَهُ تحقيقه، ويُقدِّمُ في المقابلِ اعترافاً ضمنياً بالعدوِّ وشرعنةَ وجودِه؟ أليسَ هذا هو بعينِه ما يُسمَّى "التفاوضَ من موقعِ الإذعان"؟
وهنا تَبرُزُ المفارقةُ الأكثرُ إيلاماً: ففي الوقتِ الذي تَرتفِعُ فيهِ أصواتٌ تدعو إلى "الواقعيَّةِ" و"التَّعقُّل"، ويُطالَبُ اللُّبنانيونَ بتَقبُّلِ هذا المسارِ كأمرٍ واقع، يَخرُجُ رئيسُ وزراءِ إسرائيلَ ليُعلنَ أنَّ الاتفاقَ "إنجازٌ كبيرٌ لدولةِ إسرائيل"، وأنَّ جيشَه سيَبْقى في "المنطقةِ الأمنيَّةِ" في جنوبِ لبنانَ طالما أنَّ حزبَ اللهِ لم يُنزَعْ سلاحُه. وإذ يُعلِنُ وزيرُ الخارجيَّةِ الأمريكيِّ تقديمَ 130 مليونَ دولارٍ "لدعمِ الجيشِ اللُّبنانيِّ"، فإنَّ هذا الدَّعمَ، في سياقِ الاتفاقِ، ليسَ تعزيزاً لسيادةِ لبنان، بل أداةً لتنفيذِ الشُّروطِ الإسرائيليَّةِ باسمِ "الدَّعمِ الدَّولي".
الغربلةُ الحقيقيَّة: محكمةُ الضميرِ قبلَ الأفراد
وهُنا، تَبْدَأُ الغِرْبلَةُ الحَقِيقِيَّةُ. فالمقالُ لا يَدعو إلى مجرَّدِ "تغييرِ الوجوه" كحلٍّ سحريٍّ، بل إلى كشفِ ما وراءَ الوجوه. فالغربلةُ الحقيقيَّةُ، في هذا السياق، ليستْ استبدالاً للأشخاص، بل كشفاً للبواطن؛ ليستْ مراجعةً للأداء، بل محاكمةً للضمير؛ ليستْ تعديلاً للخطابات، بل تفكيكاً للمعاني. إنها اللحظةُ التي يُعادُ فيها تعريفُ الانتماء: هل هو للسلطةِ التي تأكلُ الوطنَ، أم للوطنِ الذي يُصانُ ولو بثمنِ الغلاءِ؟ هي لحظةُ الامتحانِ الحقيقيِّ التي لا تنجو فيها الشعاراتُ، بل تبقى فيها المواقفُ فقط.
وهي ليستْ غربلةَ الأشخاصِ وحدَهم، وكَمْ هيَ زَلَّةٌ أنْ نَكْتَفِيَ بِها، بل غِرْبالَةَ الضَّمائِرِ والمَواقِفِ والمَعاني. لأَنَّ الأَوْطانَ، حينَ تَضِيقُ بِها المِحَنُ وتَشْتَدُّ بِها الخُطُوبُ، لا تَتَذَكَّرُ مَن أَتْقَنُوا تَبْريرَ الانْكِسارِ وتَزْيينَ الهَزيمَةِ، بل مَن وَقَفُوا في وَجْهِها بِصُدُورٍ عارِيَةٍ وكَلِماتٍ صادِقَةٍ. ولا تُخَلِّدُ الذينَ زَيَّنُوا التَّراجُعَ كأَنَّهُ حِكْمَةٌ، بل الذينَ قالوا: لا، حينَ صارَ الصَّمْتُ شَراكَةً في الظُّلْمِ، وحينَ باتَ الكَلامُ الواضِحُ آخِرَ ما تَبَقَّى من شَرَفِ السِّياسَةِ في زَمَنٍ تَراجَعَتْ فيهِ الفَضائِلُ وتَقَدَّمَتِ المَصالحُ. غربلةٌ تضعُ كلَّ شيءٍ في نصابِهِ: الإخفاقُ إخفاقٌ، والتنازلُ تنازلٌ، والكرامةُ كرامةٌ، ولا وساطةَ بينها.
إِنَّها لَحْظَةُ الحَقِّ، يا لُبْنانُ، فَلا تَخُنْها، ولا تَخُنْ أَمْواتَكَ الذينَ نَامُوا تَحْتَ الثَّرى كي تَنامَ أَنْتَ عَلَيْهِ، ولا تَخُنْ أَحْياءَكَ الذينَ ما زالُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ للوَطَنِ مَعْنًى، وأنَّ لِلْكَرامَةِ ثَمَنًا، وأنَّ لِلصِّدْقِ، ولو بَعْدَ كُلِّ هذا الغَبَشِ، بَصيصًا لا يُطْفِئُهُ كُلُّ هذا الظَّلامِ.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :