ICON NEWS | تقرير خاص
في تحولٍ تاريخي يعدّ الأبرز منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وافقت الحكومة الألمانية، برئاسة المستشار فريدرش ميرتس، على حزمة إصلاحات واسعة تمنح أجهزتها الاستخباراتية صلاحيات تشغيلية غير مسبوقة، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها "ثورة في البنية الأمنية"، بينما اعتبرتها جهات حقوقية ومعارضة "خرقاً للتابوهات" و"تهديداً للحقوق الأساسية" .
من "جمع المعلومات" إلى "جهاز استخبارات حقيقي"
حتى الآن، كانت أجهزة الاستخبارات الألمانية، الاستخبارات الخارجية (BND) وجهاز حماية الدستور الداخلي (BfV)، تخضع لقيود صارمة فرضتها الذاكرة التاريخية لجرائم النازية وشرطة الشتازي في ألمانيا الشرقية، إلى جانب احترام الخصوصية كقيمة دستورية راسخة . وقد حصرت هذه القيود دور الأجهزة في جمع المعلومات وتحليلها، مع منعها من ممارسة أي عمليات تدخلية أو هجومية .
لكن مع تحول المشهد الأمني العالمي، وتزايد التهديدات الهجينة التي تتهم برلين موسكو وطهران وبكين بالوقوف خلفها، باتت الحكومة الألمانية ترى أن هذه القيود باتت تشكل "عائقاً" أمام قدرة ألمانيا على حماية نفسها . وقال وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت في مؤتمر صحفي: "نحن نحول أجهزتنا الاستخباراتية إلى أجهزة استخبارات حقيقية... ونلحق بما هو ممكن في الدول الأوروبية الأخرى" .
ماذا في حزمة الصلاحيات الجديدة؟
تمتد الصلاحيات الجديدة، التي تتضمنها حزمة تشريعية تتجاوز 700 صفحة، إلى مجالات عدة، أبرزها :
العمليات السيبرانية الهجومية
- منح الأجهزة صلاحية تنفيذ هجمات "القرصنة المضادة"، بما في ذلك نسخ أو حذف البيانات، وتعطيل أنظمة تكنولوجيا المعلومات التابعة للجهات المعادية، واختراق الخوادم المستخدمة في حملات التضليل والتجسس .
- صلاحية التدخل في البنى التحتية للخصوم، مثل سرقة الأموال المشفرة أو تعطيلها، وحجب المدفوعات الرقمية التي تستخدمها دول معادية لتمويل عملياتها في أوروبا .
التجسس والتخريب الاستباقي
- السماح للاستخبارات الخارجية BND، في حالات تهديد محددة، بتنفيذ عمليات تخريبية في الخارج، مثل التسلل إلى مصانع أسلحة كيماوية أو طائرات مسيّرة لتعطيل الإنتاج، أو استبدال مواد متفجرة بأخرى غير ضارة في مخابئ الإرهابيين .
- تعديل قانون مراقبة الأسلحة الحربية للسماح لعناصر BND بحمل أسلحة خارج البلاد، مع بقاء حظر العمليات القاتلة سارياً .
جمع وتحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي
- صلاحية جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات، واستخدام الذكاء الاصطناعي لمسحها، والاحتفاظ بها لفترات أطول .
- صلاحية التسلل إلى أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة للمشتبه بهم لمراقبة محادثاتهم وتركيب برمجيات تجسس .
صلاحيات توسعية للاستخبارات الداخلية
- على عكس الاستخبارات الخارجية، يثير توسيع صلاحيات جهاز حماية الدستور (BfV) قلقاً أكبر، إذ ستُمنح صلاحيات واسعة لجمع البيانات، بما في ذلك التسلل إلى منازل المشتبه بهم، وهو ما يرى معارضوه أنه ينتهك المبدأ الدستوري الذي يفصل بين صلاحيات الشرطة والاستخبارات .
"الخطر حقيقي وحاد".. مبررات الحكومة
تبرر الحكومة الألمانية هذه الخطوة بضرورة ملحة، حيث تواجه البلاد "خطراً حقيقياً وحاداً" من هجمات هجينة تشنها دول أجنبية، وعلى رأسها روسيا . وتستند المبررات إلى سلسلة حوادث أمنية، أبرزها:
- العثور على طائرة مسيّرة محمّلة بمتفجرات في مطار لايبزيغ الشهر الماضي، كانت تستهدف طائرة شحن أوكرانية .
- ظهور طائرات مسيّرة غير محددة الهوية باستمرار فوق قواعد عسكرية ومنشآت حساسة .
- هجوم دهس مميت في موكب برلين في يوليو الماضي .
وقالت رئيسة المستشارية نينا واركن: "لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على دعم وكالات الاستخبارات الصديقة لحماية أنفسنا". واعتبر مارك هينريخمان، رئيس لجنة الرقابة على الاستخبارات في البرلمان، أن ألمانيا كانت "خلف الركب" لوقت طويل، ويجب أن "تواكب العصر" .
ردود فعل واسعة.. بين التأييد والتحذير من "شرطة سرية"
أثارت الإصلاحات الجديدة جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً:
- المعارضة والحقوقيون: حذّرت جمعية الحقوق المدنية من أن الصلاحيات الجديدة "تنتهك الحقوق الأساسية بشكل عميق" . واعتبر النائب عن الحزب الديمقراطي الحر فولفغانغ كوبيكي أن الحكومة "كسرت تابوهاً تاريخياً"، مؤكداً أنه "لا يريد شرطة سرية في ألمانيا"، معتبراً أن المحكمة الدستورية ستبت في الأمر .
- تأييد مشروط: أيّد النائب عن حزب الخضر كونستانتين فون نوتس منح صلاحيات أوسع للاستخبارات الخارجية BND، لكنه اعتبر أن توسيع صلاحيات الاستخبارات الداخلية BfV "يثير القلق من حيث سيادة القانون"، مشيراً إلى أن مشروع القانون قد "يخالف الدستور" الذي يمنع الاستخبارات من ممارسة صلاحيات الشرطة .
- تأييد حكومي: يدافع حزب المستشار ميرتس عن الإصلاحات، معتبراً أنها ضرورية لمواجهة خصوم "يلعبون دون أي قواعد"، ويهدفون إلى "إخضاع ألمانيا والغرب" . ويشير المؤيدون إلى أن ضوابط الرقابة الصارمة، بما فيها مجلس الرقابة المستقل، تضمن عدم إساءة استخدام الصلاحيات .
تمثل الإصلاحات التي أقرتها حكومة ميرتس قطيعة مع الماضي، وتحوّلاً جوهرياً في فلسفة العمل الاستخباراتي الألماني، الذي ظل لعقود أسير قيود تاريخية وأخلاقية فريدة. فبينما ترى الحكومة في هذه الصلاحيات الجديدة ضرورةً لمواكبة تهديدات القرن الحادي والعشرين، يخشى المنتقدون من أن تؤدي إلى تفكيك الحواجز الدستورية التي حمت الحريات المدنية في ألمانيا بعد حقبة النازية. ومع بقاء حاجة الإصلاحات إلى موافقة البرلمان، يبقى مصير هذه "الثورة الأمنية" معلقاً بين ضرورات الأمن ومخاطر الشرطة السرية.
ICON NEWS
الخبر عندنا وثيقة... والتحليل مسؤولية.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :